رواية كائن لا تحتمل خفته - ميلان كونديرا

رواية كائن لا تحتمل خفته للكاتب التشيكى ميلان كونديرا والتى يرثى فيها الأوضاع السياسية والأحداث التاريخية لبلاده بعد الإجتياح الروسى وكيف أثرت هذه الوقائع بتدنى أحوال الجميع وتتضيق الخناق على  الفئات المثقفة والمنتمية للبلاد، فإنها لم تغفل رواية كائن لاتحتمل خفته الجانب الفلسفى وهو طابع كونديرا المميز فى رواياته.

   بنفس المنهج اطلق كونديرا رحلة بحث أخرى عن الهُويات واتساق الروح والجسد وعرض ذلك متأثرا بفكرة العود الأبدى لنيتشه.

لا يمكن للإنسان أن يدرك ماذا عليه أن يفعل، لأنه لا يملك إلا حياة واحدة لا يسع مقارنتها مع حيوات سابقة ولا تكرارها أو إصلاحها فى حيوات قادمة.

من هنا نظر ” توماس” إلى تلك الفتاة التى شعر وكأنها هبة أو طفل لقيط تم وضعه بصندوق وأُلقى بالبحر ليلتقطه توماس لم يملك إلا أن يشعر بالحب والرحمة تجاه ” تيريزا” ومغالاة فى الأمر فقد قرر فى داخله أنها هى المرأة التى سيموت بجوارها.

  كان يخاطب نفسه مُستنكرا هذه الحالة المبالغة فى شعوره لم يكن يدرى حينها هل وقع بالفعل فى حب هذه الفتاة المحمومة وتنام على سريره، ذلك السرير الذى قد خيب أمال الكثيرات فى النوم فيه فكلما تأتى أحداهم لزيارته فكان يستوجب عليها الرحيل قبيل ميعاد نوم توماس متحججا بأنه لا يستطيع النوم وبجواره أحد،  فنظر توماس إلى تيريزا التى تختضن يداه كل ليلة كى تغفو وتشعر بالنعاس، فهو يعلم بداخله جيدا أنه لا توجد وسيلة واحدة للتأكد من صحة القرار، لا سبيل لأى مقارنات الحياة نعيشها دفعة واحدة ، مرة أولى دون تحضير ولذلك لا داعى للتفكير بما يفعله وبما قد قرره.

رحلة البحث عن الهُوية وثنائية الروح والجسد لكل من توماس، سابيان، تيريزا،وفرانز.. 

كانت تيريزا تعيش فيما مضى وسط عائلة لا تعترف بخصوصية الجسد أو ارتقاء الروح فكل الأمور مختلطة متشابكة ، تعرضت تيريزا لتشوه مسبق عن ذاتها وصورتها الخارجية بل والداخلية ، كانت أمها دوما تخبرها بأن جسدها هو أمر عادى فالجميع يمتلك جسد والجميع يستخدمه لنفس الأغراض والجسد ماهو إلا منبع للفضلات واستخراجها وتضحك ساخرة من خجل تيريزا ، دوما كانت تشير والدتها إلى صغر مفاتن تيريزا ومعلقة أنها لا تنتمى إذا لعالم النساء ولذا لا عليها أن تخفى شيئا فهى لا تمتلك أمر عليها أخفاؤه.

انتهاك خصوصية تيريزا من قبل زوج والدتها عندما كان يتلصص عليها أثناء أستحمامها فأغلقت الباب خشية وحذر أن يراها أحد ، لتترجل والدتها وتقتحم مجال تيريزا الخاص لم يكن مجرد لحظة استحمامها بل حياة تيريزا كاملة، فأتيح جسدها وذكرياتها ومذكراتها اليومية كل شئ كان على المشاع، مما تسبب الأمر فى ضرر بالغ وانقسام نفسي فى قدرتها على التواصل بين مايكمن بروحها وداخلها وبين جسدها الغريب عنها الجسد الذى لا تراه جيدا ولا ملائما ولا يستحق الإعتناء به أو بخصوصيته.

إقرأ أيضا: رواية الهوية لميلان كونديرا | قراءة نقدية

حيدت وضلت تيريزا الطريق، تنظر فى المرآة لترى نفسها ولكن لا تعلم أى منهم تيريزا الحقيقة لا تعلم من تكون ولكن تتمنى من كل قلبها أن تنظر فى المرآة ولا ترى أنها تتحول لوجه أمها كانت تراقب جسدها كل يوم لتتأكد أنها لن تصير شبيهة بأمها.

وبين كل هذه التشتتات شعرت تيريزا بأن روحها الغريبة عنها تسكن بجوار توماس فكان قرارها أيضا محتوم لا بدائل للمقارنة لا سبيل للعودة أو تكرار الاختيارات فقررت تيريزا أن لا مجال للعودة إلى منزل أمها.

توماس..


كان توماس لديه ذلك الهوس العام بالجنس والنساء لم يستطع أن يكتفى طوال حياته بأمرأة واحدة ، ذلك الهوس الجسدى يعد نوع من الإضطراب الذاتى والبحث أيضا عن ذاته الضائعة ،
إن معضلة توماس الرئيسية تكمن أيضا فى البحث عن الهوية حاول توماس مرارا أن يوضح لتريزا أن الجسد بمعزل عن الروح أن مايبحث عنه فى أجساد النساء ليست الشهوة أو الغريزة أو التشبق للجنس وإنما كان دائما يبحث فى كل أمرأة عن شئ مميز فيها.

كانمن الممكن احتمالية ظهور تلك الاختلافات فى المناورات الثقافية أو الجدال الفلسفى أو الفكرى ، ولكن حتما هناك بداخل كل أمرأة جزء تحملة كعلامه تختلف بها أو مزية تجعلها ذات صفة مختلفة ولن تظهر هذه الشامة إلا فى لحظات التعرف الجسدى وكما يتعرى الجسد تتعرى النفس فأن الجنس دائما هو ذلك الوعاء الذى يختبأ بها سر الأنا الأنثوية، هكذا كان توماس لم يكن يسعى إلى الإباحة بغرض تكرار العشيقات ذات نفس المعنى ولا ذلك الإدمان الجنسى بغرض التملك والإستبداد أنما كان يبحث عن القشرة الداخليه كما يستخدم مبضعه الجراحى فى كشف وفحص المرضى والدقة الجراحية هو أيضا ذلك الباحث عن مالا يمكن إدراكه علانية بل مايجب امتلاكه.

ذلك التهشم الجسدى الشديد رُغم شهادة الجميع أنه رجل صالح وطيب النفس كان هو آفة توماس الوحيدة التى أفتكت بقلب تريزا فكان حب تريزا لتوماس مستندا على عامود واحدا هو وفائها ، كانت علاقتهما كاقصر شُيد بعامود خرسانى واحد وهو وفاء وانتماء تيريزا وكان هذا الثقل يدمى قلبها ويهشم روحها هى الأخرى ، لم تستطع أن تدرك تيريزا أن هناك جزء بداخل كل رجل هو الذاكرة الشعرية أو منطقة الشعور وهى الحالة التى لا يمسها أى شخص كانت تيريزا قابعة فى هذا المركز الشعورى الحسى لا يمتلكه أحدا سواها كانت بمعزل عن تشبقات جسد توماس يفصل توماس جسده عن روحه والجزء الشعورى بينما تتوه تيريزا بين غرابة جسدها وأغتراب روحها ضياع تام بين الفقدان والإغتراب وإزدواج الروح والجسد. 

سابينا..

تلك الفتاة الباحثة أيضا عن هوية سابينا الهاربة من خضوع وهيمنة الجو الأسرى الملائم والزوجة المحبة لزوجها والأب الكاثوليكى الملتزم ، الذى نهر سابينا الطفلة عندما قررت أن تمرح مع إحد الصبية على مروج بيتهمها، فأخبرها أنه من غير الائق أن تتهادى مع الصبيه وعندما شعرت أن الصبى يحبها وعلم والدها منعه من القدوم تماما، عاشت سابينا تحت وطأة شعور الخيانة للمكان والهروب المكانى وانتظار الفرصة السانحة للهروب من أشخاص قتلت فيها روحها الطفولية مشاعرها الطبيعية، انتقلت فورا  إلى جامعتها فى نيويورك لم تكن تنتمى إلى نيويورك ولم تحب سابينا أى من تلك البلاد التى ظلت تهرب منها وإليها مرارا.

اعتادت سابينا أن تجد خلاص روحها فى الخيانة الدائمة لأى معتقد ، الخيانة الدائمة لأى مرتكز أى ثبات واستقرار كان يصيبها بالغثيان ، النظر إلى منزل هادئ وأسرة مستقرة كان كفيل بشعورها بالأرق وعدم الراحة، عكس تيريزا والتى كانت تجد أن خلاص روحها فى الوفاء والإستقرار والإستمرارية، غادرت سابينا حياة فرانز دون أى مقدمات فور شعورها بأنه يتجه إليها ويستبدل استقراره مع زوجته إلى بديل مع عشيقته، لم تشعر سابينا بالراحة تجاه هذا الأمر فهى لم تُخلق لهذا التنافس،  ورفضت أن تضع نفسها فى منافسة مع أمرأة أخرى لا تعلمها ولا تريد بالأساس أن تدخل  معها فى صراع أو معترك تنافسى .

فرانز..

منذ زواجه الأول ذلك الزواج الأحادى بمارى_ كلود لم يكن سوى أن رأى بها صورة والدته التى حاولت أن تحافظ على رباطة جأشها ولم تخبره بأنفصالها عن أبيه، وهرعت إلى الشارع ترتدى حذائين مختلفين،  لم يجرؤ ليلتها أن يخبر أمه أن شكلها مروع ولكن تملكه الألم طوال الطريق وهو يتابع قدماها بحزن ويأس، كان يراها تلك الأم اليائسة التى لن يقدر على جرح قلبها وداوم على ذلك حتى التقى ب سابينا الفنانة الحرة الثورية الجميلة الطلع والجسد.


كان يعلم بداخلة أنه لم يُخلق للمكاتب وتراب المقاعد، كان يتوق إلى الحياة الحقيقة والسير جنبا إلى جنب فى الشوارع والمظاهرات بعيدا عن المحاضرات وأروقة الجامعات، كان فرانز محبا للموسيقى يرى أن فيها الخلاص والنشوة الجسدية وهى سبيل الإنسان للتحرر من العزلة والضيق والإنكفاء على العمل المبتذل ، غادرته سابينا وقررت فراقه.

ولأول مرة بحياة فرانز يشعر بالقدرة على اتخاذ القرار فعاش عشرون عاما وسط أثاث منزلى لم يكن بوسعه أن يختاره، انتقل إلى شقة صغيرة مع مكتبة تحمل بعض كتبه بعد أن كان يسكن فى شقة برجوازية مع زوجته وابنته، شعر ولأول مرة علم فرانز أن حضور سابينا الجسدى كان أقل مما يتخيل، فالأهم منه هو ذاك الأثر الذهبة أو السحرى الذى اضفاه غيابها فقد أعطاه مكنسة ليكنس بها كل شئ لا يحبه ، ويطرد من حياته مالايجب عليه أن يتعايش معه، هذا القدر من الحرية والغبطة الذى شعر بهما فرانز كانا كفيلين بتغيير حياته جذريا قد وصل فرانز إلى التخلص من الثقل. 

” فإن الكائن الإنسانى عند الغياب التام للحمل يصير شبه خفى من الهواء،  محلقا بعيدا عن الأرض وعن الكائن الأرضى. يصير شبه واقعى وتصبح حرة قدر ماهى تافهة.
إذا ماذا علينا أن نختار الخفة أم الثقل؟
أجاب بارمينيد فى القرن السادس قبل المسيح حسب رأية العالم منقسم إلى أزواج من أضداد
النور_الظلمة ؛ السميك_ الرقيق؛ الكائن_ الاكائن.

كان يعتبر أن أحد قطبى التناقض هو ايجابى والآخر سلبى
كان بارمينيد يرى أن الثقيل هو السلبي والخفيف هو الإيجابى
ولكن الخفيف والثقيل هما الأكثر غموضا والتباسا بين جميع المتناقضات”.

بينما يرى بارمينيد أن الثقيل هو السلبى والخفيف هو الإيجابى كان كونديرا يرى أن الخفيف والثقيل ومدى تحقق ايجابيتهما من عدمه هو أمر يختلف من فرد لآخر ومن هوية لأخرى.
فعندما بلغت سابينا كل الخيانات المتكررة خيانة الوالد، الوطن، الزوج، العشيق، الفن ترك كل شئ فقد بلغت إلى مرحلة من الخفة والراحة ولكنها شرعت بالإحساس بالفراغ والإنتهاء نعم قد أُزيح ذلك الثقل، ولكنها الآن تشعر وكأنها تدور فى فراغ لا تشعر بوجود نفسها ولا تشعر بأى تشبع ، أخذت تتنشق الهواء فى بعض المدافن كما اعتادت فهى ترى جمال آخر فى المقابر والمدافن ، رددت فى نفسها أنها تشتاق لفرانز وياليتها كانت تتفق  معه فى حسه الموسيقى أو رأيه فى المبانى والمدافن لعلها لم تكن تشعر بهذا الفراغ الآن.

كانت تيريزا هى الثقل لتوماس كانت تثقله بشعوره الدائم بألمها ورجفة يداها عندما تعلم تكرار خيانته، كان توماس يسعى دوما للشعور بالخفة ولكن كما نعلم فأن توماس هو وليد اللحظة هو المؤمن بأن القرارات لحظية لن يدور الزمن مرة أخرى ولن يكرر لتصحيح ماتم اتخاذه من قرارات، وهو بداخله يعلم أنه يحب تيريزا ولو أنها هى الحمل الأكبر فى حياته ولكن من دونها لن تسير دائرته الزمنية كما تدور الآن ، كانت زيجة فرانز هى الثقل وعلاقته بسابينا هى السبيل الذى اوصله إلى خفة الكائن الموجودة بداخله، وهكذا اختلف التضادان تباعا لكل فرد وهذا ما أراد كونديرا الوصول إليه فى روايته كائن لا تحتمل خفته.

كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه