هوس العمق - كتاب هوس العمق

استوقفتنى رواية الحمامة

جوناثان الرجل الذى عاش طفولة صعبة وحياة فى شبابه أصابته بالأرق النفسى والصدام الشعورى، الذى بدوره رافقه إلى قرب إنتهاء عقده الخامس،  نجح باتريك فى  تقديم شخصية جوناثان و تصوير أبعادها النفسية والتدقيق المُلح  في نزع كل ستر يخص هذه الملامح الغريبة بل الغير مُعتادة، حالة الذعر المستمرة فى ثنايا جونثان اليومية حتى وإن لم يُظهر هِندامه ورتابة مظهره هذا الكم المروع من القلق والخوف. 

فقد جونثان والديه بشكل غريب، لم يتبقى له سوى أخته من أسرته، وعندما بلغ سن الشباب إلتحق بالجيش، وعند عودته لبلدته وجد فى انتظاره حادث يجلب له العار – اختفاء أخته من البلدة – يضطر ليتعايش مع الواقع المحيط ليتزوج بأمرأة من ترشيح عمه، لتنتهي المآساة الأخرى بهروبها مع رجل آخر.

أثارت تلك الحوادث فى نفسه أثر مؤذي وتراكمي غير منتهى الحدث، قرر بعدها جوناثان أن ينقطع عن البشر

أجمع قرار نهائي لا عودة فيه ولا تراجع عنه مهما كان، وعمل موظفًا بالبنك، حارسًا لتلك الهيئة العامة، يُشبه أبو الهول فى رصانته وروتينه اليومى المنتظم بالساعة والحرف، لم يغب يومًا واحدًا عن عمله، لم يتأخر عن مواعيد الدخول ثانية واحدةٍ، كان يُدرك فى صميم قلبه أن تلك هى الحياة الأنسب له، ذاب فى حب غرفته التى سعى لشرائها رغم تكلفتها المرتفعة ولكنه تكفل السعر

إقرأ أيضا: 5 أفلام وثائقية بإمكانها تغيير حياتك

لم يشعر يوم بالضيق أو القلق حين عودته المستمرة لغرفته فهى التى تحتويه وتأوى إرهاق جسده طوال اليوم مع وجبة العشاء السخية عند عودته عشية انتهاء عمله، طوال ثلاثون عامًا لم يتذمر منها ولم تتذمر منه كانت مسكنه وملاذه. 

قرار جوناثان الفٍرار لا العُزلة.. 

الفرار والذعر والاستسلام التام لما عانى قلبه منه فى السنوات السابقة، هذا الرضوخ المرضي الذى تسرب إلى قلبه كالنور الذي يتسرب إلى شقوق النفق المُظلم، دون أن يدري, أصبح جوناثان فى حالة من الذُعر الدائم والإضطراب محاصر بكل المشاعر السيئة التى لم يقدر قلبه ونفسه على استيعابها وادراكها فى هذا التوقيت، لاحقته دون استئذان حتى أصاب قلبه العطن.

ظهور الحمامة فى رواق المنزل.. 

ظهور الحمامة كان رمزًا لكل ماهو مفقود فى حياته، كانت الحمامة مجروحة تأن، مُغمضة العين لا تسطيع الحِراك لا تصدر حتى صوتًا مسموعًا، ولكن وجودها أربك حياة جوناثان بالكامل ما اعتاده فى الذهاب إلى الحمام المشترك كل صباح، وعودته إلى غرفته ليعد فطورًا شهيًا، شعر جوناثان بالحيرة والفوضى ملأت روتين حياته المستقرة، بمنطقه الراسخ فى عقله ونفسه، فقد جوناثان روحه تمامًا بل وأفرط فى فقدانها، حتى أثار ذعره طائر ضعيف يحتاج إلى التضميد أو الرعاية حتى يعود للطيران.

إقرأ أيضا: رواية الهوية لميلان كونديرا | قراءة نقدية

لم تكن الحمامة الطائر هى المؤرق ولكن تخيلات وفزع جوناثان ووهمه الوسواسى، هو الراعى الرسمى لعقله ولإدراكه تخوف من روث الحمامة من أن يضمها بغرفته فتأتى بزوج وصغار، وتتوالى الحياة الطبيبعة لهذا الطائر، يعتبر هذا الطائر رمزية العيش والشعور بالحياة، فى اقبال الحمامة على التزاوج ورقودها على البيض واستقبال صغارها، أشعره ذلك التخيل بالفزع لأنه قد قضت عليه هزائمه وحروبه السابقة، بالأحرى هو من استسلم ليأسه ووقهر وساوسه. 

هروب جوناثان من مسكنه الخاص

 بحثًا عن غرفة يسكنها حتى يختفي هذا الطائر وينتهى هذا الكابوس عند النظر إلى غموض وارتباك هذه الشخصية فنجد أن الكاتب برع بدقة فى وضع القارئ فى قلب عواصف جوناثان النفسية بدرجة، تصيب القارئ بالحنق والإرهاق النفسي من توابع تلك الحالات التى تنتابه وشعوره المفرط بالضياع وعدم الأمان، احساسه الداخلي المضطرب المُتهالك فقدانه القدرة على التصالح مع الماضي، فقدانه القدرة على التعامل مع البشر، انغلاق قلبه وروحه بمزلاج الموت وهو حي، فقد حتى الحب والشعور بالحب والتعاطف، بدرجة تجانسه مع سُلم الرخام،  تمثال من الحجر لا يعلم عنه شخص لا يشعر بغيابه أو وجوده أحدًا، قضت عليه أحزانه وهزمته وجيعته وفقد لانويل الطفل والشاب بداخله. 

ألبير كامو فى أحد رسائله مع ماريا كتب لو أننى أردت أن أولف كتابًا عن الأخلاق، سأكتب مائة صفحة، تسعة وتسعون منها وريقات بيضاء وورقة واحدة سأكتب فيها: “إن الواجب الوحيد الذى أُدركه بالفعل هو أن نُحب!!”.

 

كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه