فيلم ريش

فيلم ريش من الأفلام التى أثارت الجدل مؤخرا نظر لواقعية الفيلم وعرضه لمشكلة مُهمة بصورها الحقيقية دون تحامل أو تجميل.

قصة لأسرة تعيش فى مستوى اجتماعي منخفض للغاية، زوح مُتسلط يُمارس هيمنته الذكورية فى كل شئون أسرته، زوجة لا يُسمع لها صوت أو تعلم عن الرأى والنقاش سبيل لا تفعل سوى الخضوع التام لزوجها، من حافظته المعدنية المُتآكلة الصدأة التى يكبلها بقفل ليُخفى يوميته التى يتلقاها كعامل بالمصنع، صبيحة كل نهار يعطيها قليل من المال مقابل أن تَعُد وجبة للغداء بالكاد تُقَوِم وتُصلب الجسد، لا تملك حتى رفاهية إختيار نوع الحاجيات الخاصة بالمنزل فقط تُنفذ أوامره.

فى حادث غريب يختفى الزوج من منزله وتحل محله دجاجة!!
تشعر زوجته بنذير شؤم اختفاؤه بقدوم نوع لاذع من المرار وحياة أكثر  تعاسة مما هى عليه.

فى قصص الأميرات

تحول الأمير لضِفدع بشع منتظراً قُبلة الأميرة ليعود لحياته السابقة، فى روايتنا ظلت الدجاجة بالخُن تنتظر طعامها وشرابها بل وعلاجها من الأميرة التعيسة.

نقطة تحول فارقة فى حياة امرأة تُقرر أن لا مفر من النزول لحلبة الصراع، لا تعلم عن معترك الحياة أمراً، ولكنها تتقن وبجدية مهارات التحول المُفاجئ.

البيروقراطية ونمطية الروتين

تتعثُر  الزوجة بعد غياب رب الأسرة فى دفع مستحقاتهم الأساسية، كالإيجار الشهرى للحكومة، أطاح ” الزهيرى” بنظرة أخرى حول البيروقراطية والنمطية والقانون المُفعل بلا عيون وبصيرة حقيقة، بنظرة عطف وحزن على أمثال تلك الطبقة من الشعب، فكيف لشخص لا يجد قوت يومه أن يواجه هذا الكم الامنطقى من الضربات، الكثير يتجه إلى تفعيل القانون مهما بدا الأمر غير مناسب ولكن النتائج قد لا تكون فى صالح البلاد، فظهرت النزعات الإجرامية وعالم التسول والتحايل على القوانين الجائرة بحق العدالة الإجتماعية.

إقرأ أيضا: أفضل 10 أفلام فلسفية

المرأة المصرية ودورها كمعيل رئيسى للأسرة

فى قضية أخرى يُشير إليها فيلم ريش وهى الصعوبات التى تواجهها المرأة المصرية فى المجتمع، مهما كان وضعها ومكانها الإجتماعى، تتواجد دائما بين شقى الرحى، فى حالة دائمة من المواجهات الذاتية واختبارات يومية لقيمها وأخلاقها.

الاختفاء في فيلم ريش

من الواضح أن اختفاء رب الأسرة فى هذه الحالة لم يُجني على الزوجة باختلاف كبير عما سبق، بل نجدها رغم تعبها الجسدى والعمل الشاق بالخارج ومهام منزلها، إلا أن رب الأسرة كان يمثل الحاضر الغائب.. فكم من رجل يتواجد بكامل جسده ولكنه غائب راحل عن شئون عالمه، بل قد تنقلب الأمور فى صالح دَفّةَ الزوجة أو الشريكة.. إذا تغيب بالفعل هذا الكيان، وذلك ماظهر فى مشاهد عديدة للأسرة تجمعهم الابتسامة وطاولة طعام مليئة بالخيرات المُختلفة، رحيل الزوج كان مهماً وضرورياً لهذا التحول داخل الأسرة.

إقرأ أيضا: زوجة رجل مهم | عندما تحملك السينما إلى أعماق السيكولوجيا

تمر الزوجة بالعديد من المواقف التى تعمل بدورها فى التغير الجارف بشخصها من عملها أضاف ” الزهيري” لمحات سودواية تُشير وبقوة إلى تلك التحولات الدرامية الحادة، تكسو يداها بدم الذبائح من الحيوانات المختلفة وهو عمل لا يتناسب مع طبيعة أى امرأة مهما كانت أن تتواجد وسط هذه الفوضى من الدماء والذبائح، وكأنها إشارة لموت الشعور الأنثوى بداخلها فقط تبغى العودة إلى منزلها لإطعام صغارها مهما كانت التكلفة.

فى مشهد آخر من فيلم ريش يتقلب الزوج فى دمائه كما حال تلك الذبائح، ولكن.. الآن تُجيد الزوجة التعامل مع بشاعة وقبح هذا المشهد مهما بلغ الأمر فى النهاية لابد أن تعود حاملة الغذاء لصغارها.

التحول القاسي للأشخاص وتوجههم الذاتي والنفسي فقط لقوت اليوم، يصل الحال المتدني للفرد وسوء المعيشة.. أن يُغالى فى الوصول فقط لرغيف العيش دون النظر لأى مُتع من متاع الدنيا، فلن تجد فرحة كفرحة تلك الأسرة التعسة عند عودة الغسالة بعد الحجز على ممتلكاتهم البسيطة التى لا ثمن لها وسط أسواق الخردة، يظهر المخرج مشهداً لأحد الشراشف الموجودة على الكنب وقد كساها البياض نظراً لعودة الغسالة المُتهالكة، فتلملم الأم ملابس وأغطية الكنب لتغسلها بفرحة عامرة.

فوقية أصحاب المهن ورؤساء العمالة الخاصة

  ظهور أصحاب المصانع ورؤساء العمل فى حالة دائمة من التغطرس مثل سيدة المصنع بذلك الزى الفاخر والسيجار المشتعل، بل وطردها للزوجة المسكينة الفقيرة لسرقتها بعض قطع الشوكولاتة لأطفالها، صاحب المخزن الذى يتناول فى غدائه المأكولات البحرية الشهية، تلك الفوهة الجارفة بين هذا العالم وهؤلاء من هم دون الحال، إشارة حقيقة لغياب التسلسل الإجتماعى المتوازن والتوزيع الطبقى المعتدل .

الرموز المُختارة فى الفيلم

اختيار ” الزهيرى” للعديد من الرموز أولهم الدجاجة وأسم الفيلم الريش، فتحول رب الأسرة لدجاجة رمزية للجُبن والتخلى عن حياته البائسة، تاركاً ورائه ذُرية ضِعاف، تغيبه كان أشبه بالريش لم يكن كما ذكرت أنفا أن حضوره ذو تأثير واضح، فكان كتلك الريشات المتطايرة من دجاجة تشعر بالذُعر تقرقر فى خُنها، تَفزع بمجرد أن تسمع صوت أو تشعر بقدوم أحد وهكذا حال الدجاج، فكما اعتادت يد الأميرة الدماء والذبائح لم تسلم منها دجاجتها ولم تعد تهنأ بوجودها، بل تصيبها تلك النقنقة والقرقرة بالأرق والإشمئزاز فتتخلص منها بيد وقلب باردين.

بالنهاية فيلم ريش لا يُعد مسئ لسمعة مصر كما تم الزعم بل هو عرض ذكى وبلا تجميل عن حياة أُسر كُثر يتمادى الفقر فى أرجاء حياتهم حد التعاسة والجزع.


كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه