زوجة رجل مهم

فيلم زوجة رجل مهم.. من أكثر الأفلام التى أشارت إلى نمط الشخصية السيكوباتية المضطربة وتم مناقشة الجانب النفسي ومكونات تلك الشخصية ببراعة منقطعة النظير، اختيار الراحل “أحمد زكي” لتأدية هذه الملحمة البشرية النفسية بتفاصيلها الغامضة وتكويناتها المتناقضة لبعضها البعض هو الاختيار الأمثل والأضمن بالطبع لسلامة التقمص ، قد بلغ الفنان العظيم الراحل حالة من التوحد والتجانس الجسدي واللفظي مع الأداء الفني، فالأمر تخطى مرحلة التقمص وصولاً للتشبع والتوحد مع الشخصية، لمن درس ويعلم جيداً تفاصيل الشخص النرجسي السيكوباتي فلن يغفل لحظة عن الحالة الرائعة التى قدمها “أحمد زكي”.

فى مطلع الفيلم يُهيئ المخرج ” محمد خان” المشاهد بلمحات بسيطة عن الضحية الغنيمة  التى ستطالها يد البطش لاحقا فى توالي الأحداث. 

فتاة مراهقة تهيم بالسينما وصوت عبد الحليم العذب ..تنمو وتنشأ ” منى” فى رحاب أسرة بسيطة من أم وأب يعمل مهندساً زراعيا يحتم عليه عمله التنقل من محافظة لأخرى، نلاحظ نشأة منى الفتاة والشابة خالية من أى اختبارات خاصة بالحياة أو بالاتحاد المختلف والمتنوع مع أفراد البشر المختلفة ، تنبع أراء وقيم “منى” المجتمعية من والدها الرجل القويم المحافظ للأسرة المُراعي المُحب، وهكذا كانت نشأتها حتى انتقل والدها إلى محافظة المنيا لتتلاطم الأحداث والمواقف وتتشابك حياة منى وتتغير تماما كما لم تعلم أو ترى من قبل. 

مرحلة الإغواء

الظهور بشكل متكرر فى حياة الضحية اعتمادا على اظهار بواطن قوته والتفاخر بما يمتلكه الشخص من مواهب، قدرات، سلطة كما ظهر المقدم ” هشام”  ذو المنصب والجاه حيث استخدام السلطة فى إبهار تلك الشابة الساذجة المسكينة بكل الطرق الممكنة، محاولات متكررة لإستخدام سلطتة ونفوذه لفرض قيود السيطرة والإحكام على مشاعر وقلب ” منى”.

إقرأ أيضا: أفضل 10 أفلام فلسفية

غالبا لا يتم التعامل مع الشخصيات المُستهدفة من قبل النرجسي بدون دراسة شاملة وبحث وتقصي عن الضحية، ويجيد دوما النرجسي اختيار ضحاياه بدقة.

مرحلة الاستحواذ النفسي المؤقت

تأتى المرحلة الاستحواذية بعد التقصي والتباحث الدقيق وتفهم جيد لثغرات الضحية، من هذه الأبواب والثغرات يتقرب بشكل حذر كما تتسلل الأفعى لفريستها، ويظهر الاهتمام والحب الشديد والتفاعل مع أبسط الأمور وتفاصيل الضحية، واظهر خان ببراعة مشهد التقارب ولحظة الاستحواذ فى القطار ..حيث ظهر مشهد القرط المعلق بأذن منى بشكل فراشة رقيقة ترتديها تلك الشابة الحالمة المسكينة، فيقترب هشام لمخبأ الفراشة بوعي وحذر يظهر فى وضعية تقدم جسده وثبات عينيه الموجهتين نحو منى وتفاصيلها الشخصية كنوع من السيطرة وإتمام الصفقة، الصورة الأخرى عندما طلب من منى الدخول لغرفتها، يلامس هشام أذني منى فى مكان تموضع قِرطها المزين لوجهها الملائكي فترتجف منى وتبتعد عن ذلك التلامس المقصود من هشام وهو أيضا نوع آخر من صور الاستحواذ العاطفي، ويُكمل دائرة البحث والتقصي عن حياة منى الرومانسية فى سماعها لشرائط الكاسيت لمغنيها المُفضل عبد الحليم، والتي سيستخدمها كمنفذ وبوابة للعبور إلى دواخلها للسيطرة التامة.

مرحلة التملك والهيمنة الكاملة

تبدأ هذه المرحلة فى تمكن هشام من الزواج من منى وهى المرحلة الأكثر خطورة فى التقرب من الشخص النرجسي لأن مظاهر الانبهار والعظمة والتفاخر والتباهي تتداعى ببطئ لتظهر الشخصية الحقيقية ويختفي عنصر الإعجاب والانبهار.

إقرأ أيضا: رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا

يبرع الشخص النرجسي لأنه يتميز بذكاء وفطنة تمنحه القدرة على الولوج ومكاشفة الذات، ومعرفة بواطنها يظهر ذلك فى الاستغلال الجسدي لمنى فتقع منى فريسة  لضغوط هشام وألاعيبه النفسية، فى قدرته على السيطرة على مشاعر وانفعالات منى بالتوجه الحميمي والعاطفي، ليزداد الأمر سوءا بجعلها تنفذ مايريده تحت تأثير اللحظات الحميمية والكلمات المعسولة التي تستهدف جوانب منى الحالمة، لتخضع زوجته وبكل بساطة دون أن تشعر بإملاء الأوامر أو التوجيه الغير مباشر، يعتمد النرجسي سوء استخدام نقاط ضعف ضحيته بل يستبيح استخدامها لصالحه ولأهوائه الشخصية. 

الشخص النرجسي بالحب

الشخص النرجسي لا يعلم عن حب الأخرين أو العطاء للغير، لا يعلم عن الحب سوى حب ذاته وتسيطر عليه الأنا وحب الذات، الحب بالنسبة له هو عملية أو صفقة للسيطرة والإحكام على الطرف الآخر يبدأها بالمبادرات والاهتمام والود المُفتعل انتهاءا بوقوع الضحية فى فخ 

المُتصيد، افتقار الشخص النرجسي للذكاء الوجداني والعاطفي يجعله فى حالة دائرية الجميع يدور حوله وحول ذاته..فإنه يفتقر إلى الرومانسية والتقارب، ويتسم بالبرود والغضب والانتقاد عند عدم حصوله على ما يريد في علاقته بالطرف الآخر، ولا يهتم بإشباع احتياجاته إلا إذا كان هذا سيشبع غروره.

 كما بدأ ذلك بالظهور مع هشام عندما تعرضت منى لوعكات صحية وتقلبات نفسية متكررة فلم يهتم إلا بوضعه العام ووظيفته، فى أحد المشاهد تحاول منى إضفاء جو من الرومانسية عند شرائها باقة من الزهور ووضعها بجوار مائدة الطعام ، فينفجر هشام غاضبا عندما تحاول لفت نظره لتلك اللمسة الناعمة منها فيتعلل بالإنهاك والعمل وهكذا تتوالى لحظات الغضب وفقدان السيطرة على النفس والإنفجار التام.

الشخص النرجسي نجده منشغل دوما بالأنا الخاصة به ، بل ويبالغ فى الاهتمام بالشكل العام والظهور المناسب أمام العامة والصورة التى يود تصديرها للعالم عن نفسه وحياته، هشام يهتم بأدق تفاصيل تخص الشكل والملامح من تمشيط وتسوية شاربيه والاعتناء الدقيق بتهذيبهم بشكل محدد يُضفي على وجهه ملامح الجدية والقوة، اهتمامه المبالغ فيه بالتقرب من طبقات معينة ورؤساء عمل لا يكّن لهم إلا الحقد والغل ومع ذلك يتملق جلساتهم ويتماهى بالكذب والتقدير الزائف لأفكارهم، يطالب زوجته بالإذعان لهذه المسرحيات السخيفة والقذرة، أيضا يُعرف عن النرجسي  عدم القدرة على الاهتمام والتفاعل الشعوري بل وتجاهل الطرف الآخر بداعي المسئولية أو تعاظم المشكلات أو بدون أي أسباب أخرى منطقية، يفتقر للقدرة على التعاطف لأنه يعاني من تعاظم الأنا وأهميتها فلا يوجد أولويات تتبع ذاته هو أولا وتأتى البقية أو لا تأتي.. ولذلك لم يدافع أو يشعر بالمهانة أو المذلة أمام إهانة كرامة زوجته. 

فى حادثة موت الراحل عبد الحليم حافظ  وهو القشة الأخيرة التى كانت تعتمد عليها منى للإبقاء على زمن الحب والحلم، بموت عبدالحليم ماتت منى القديمة ارتدت ردائها الأسود، حداداً على ماضاع من حياتها السابقة وانتهاء ما كانت تتحمل به شوكة ومرارة الأيام مع زوجها، فقد اتقنت منى دور الضحية بامتياز ولم تجد مخرجا ولا طوق نجاة من هذه العلاقة الغير سوية ظل هو الجاني يُطيح كل ليلة بالضحية بلا هوادة. 

إقرأ أيضا: من رسائل كافكا إلى أبيه المسئ والنرجسى

الجزء الثاني من الشخصية هو البارانويا أو  مرض الارتياب الجنوني: 

” هو اضطراب ينتج عنه التشكك فى شتى المجالات فى الأفراد المجتمع حتى القريبين من مريض البارانويا دائما ما يشعرون أنه على صواب وأن أراءه هى الحق وأن ما حوله دائما يثير شكوكه وارتيابه والجميع فى دائرة الإتهام”. 

يعانى هشام من تفحل وتفشي ذلك الاضطراب العضال بسبب وظيفته المرموقة التى تخوله للتعامل مع فئات ضعيفة ومستهدفة أو فئات مُدانة، فأن السلطة المفوضة للشخص المصاب بهذا النوع من الارتياب بالإضافة إلى السمات النرجسية الحادة، أدى ذلك التكوين إلى ظهور شخصية تهدد مصالح الجميع بما فيها مايدعيه هشام نفسه حماية الأمن القومى للبلاد، لم يكن مدركاً أنه يشكل الخطر الأكبر على تواجده فى منصب حسّاس مما أدى فى النهاية إلى اقصائه  من موقعه المتميز والمرموق. 

  ظهر ذلك فى طريقة إدارة التحقيقات مع بعض المثقفين وتلفيق التهم بشكل فج كما ظهر فى القبض العشوائي على طلاب الجامعات فى تظاهرات ١٨ و١٩  يناير، وإعداد سيناريوهات مسبقة التجهيز لتوريد التهم والقضايا وإحالتهم للقضاء، وتم الطعن على كثير من الأحكام وبطلانها، وإدانة بعض القادة ورجال المباحث منهم هشام الذى ضاع منه المنصب والقوة والنفوذ بسبب ارتيابه واستغلاله السلطة بشكل مُطلق غير مُحكم بقانون أو ضمير. 

  امتدت حالة الطغيان والشعور بالعظمة والقوة اللامتناهية رغم فقدانه المنصب والعمل إلا أن عقله المُصاب بهذا النوع من الارتياب القاتل يرفض إطاعته وتقبل فكرة انتهاء الأشياء وتغير المصائر والقرارات، نتيجة حتمية لذلك ظهرت النزعات المتملكة المرضية محاولات  بائسة للتمسك بما ينساب من أمامه، وصل الأمر إلى محاولة الهروب الأخيرة لزوجته من طاغوته وظلمه ، بقتل والدها حتى لا يستطيع أحد انتزاع ملكيته الخاصة وإن كانت تلك الملكية هى روح بشرية حُرة.

فى أحد المشاهد التى تعبر حقاً عن حالة الذُهان والضياع الفكري للشخص المصاب بالبارانويا، عندما واجه هشام نفسه ولأول مرة أمام المرآة فما كان منه سوى تحطيمها وظهرت شذرات وجهه البائسة المتشتتة بشكل مُسخ سخيف يثير الضحك والسخرية، وهى صورة عن انتهاء المكون العام والظاهرى لشخص هشام فهو الآن بالعراء مذموم، لا تحميه وجاهة ولا سُلطة ظهر وجه هشام الحقيقي الفارغ من الهُوية الحقيقة، المجرد من الشعور والضمير.

نهاية الفيلم نهاية تليق بصراعات هذه النفس التى لم تعلم الهدوء ولم تجد السكينة والسلام ، فأنهى صراعه وقبل أن يقرر مصيره ألحق بزوجته الأذى الأبدى فأفقدها أهم ركيزتين فى حياتها الزوج والأب معاً، عاشت منى فى حياة حالمة ضحية للسذاجة وقلة الخبرة انتقلت لحياة الضحية الأخرى فى يد طاغوت ينتهج الظلم والتجبر، فقدت منى عمود حياتها السابقة وداعمها الأساسي للأمان، وفقدت مايفترض أن يكون السكن، بل وانتهت القصة بفقدانها لذاتها .

كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه