الهوية - رواية الهوية

رواية الهُوية ليست مجرد نص سردي غرضه الحكاية والدراما، فى البداية أثناء القراءة تظن أنها رواية عادية بين شخصين متحابين ينتظر كل منهم الآخر فى بهو أحد الفنادق إلى أن تُدرك أن الغاية أكبر بكثير من مجرد سرد، رغم أنها رواية قصيرة إلا أنها تحملك على التفكر والتساؤل وفي الأغلب نفضل الرواية المقتضبة ولكنها تؤدى معنى عميق الأثر فى ذات قارئيها ، ونجح ميلان كونديرا بصنع الحوار واضافة الأزمة بدون ملل أو تشبع للسطور بحشو زائد وكلمات للتعدد فقط وزيادة الكم.

 

مفهوم الهوية وقضية الهوية الإنسانية

وهل بالفعل توجد مايسمى بالهوية؟ هل نستطيع الجزم بأننا إذا وجدنا هويتنا الحقيقية سندرك المعنى التام للسعادة؟ هل الهوية تعنى الأوطان والبلد ؟ أم شئ أبعد من ذلك!.. 

تطرق ميلان كونديرا إلى أزمة الصراع النفسي للهوية والبحث الدؤؤب عنها فى شخصية” شانتال” ففى مطلع الرواية تعانى من كابوس يختنقها يصيب نومها بالأرق فتستيقظ مُتعبة غير نشيطة لبداية يومها،  تذهب لمقابلة جان مارك حبيبها العائد بعد فترة كبيرة والذي كان يعانى من غيبوبة.

أثناء تجول “شانتال”على الشاطئ تجدها تخاطب نفسها بأنها فقدت بريقها كأمرأة ولم يعد يلتفت لها أى رجل أو ينظر إليها بنظرة إعجاب خالية من الشفقة أو عطف الحب نظرات فقط لجسدها أو لذاتها دون أن يتخللها أي دوافع أخرى سوى الرغبة الشبقية فيها. 

تعتمد هوية “شانتال” على مصادقة القبول الذاتي بالقبول العام وانتظارها التوق أو الشغف الخارجي حتى تستطيع أن ترى ذاتها ، فجعلت مرآة نفسها هى الآخرين وهكذا فقدت توازنها النفسي ورؤيتها الحقيقة لذاتها. 

تركيز ميلان على تفاصيل دقيقة لشانتال كإحمرار وجهها الشديد عند تعرضها لمواقف معينة كنوع من اظهار اهتزاز صورتها النفسية فبسهولة يستثار جسدها بالحرارة عند تعرضها لمواقف احتكاك مع من تراهم لم يعودوا يلتفتوا لها ولجسدها .

إقرأ أيضا: رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا | قراءة نقدية

 

رحلة البحث عن الهوية: الأنا والذاتية الفردية

تجلى ذلك فى ظهور حبيب شانتال  ولقائها البارد الغير متوقع من جان أن يلاقي هذا النوع من اللقاء بعد غياب كبير كل ماتحمله بذاتها هو تكرارها الخفى والذى لم يفلح صوتها فى اخفاؤه و ترديدها “لم يعد أحد يلتفت لى” مما أثار حنق جان أنها لم تنتبه إلى وجود حبيب لها يلتفت لها ويهتم لأمرها ولكنه يعلم بداخله أن نظرة العشق الحب لاتعزيها ، لأن نظرة الحب هى العزلة،  كل ماتحتاج إليه هو طوفان من النظرات الشهوانية دون تعاطف دون إلزاميه دون تهذيب هذه النظره تبقيها فى حياة البشر والمجتمع أما نظرة الحب فتنزعها منه.

واجهت “شانتال” أكثر من حياة صعبة.. فى بداية شبابها تزوجت ولكنها وجدت نفسها فى منزل يتبع عادات لا تنتمى هى إليها ، زوج لا يكترث لآلامها وخصوصا بعد فقدانها طفلها، محاولاتها القديمة فى تغيير هُويتها للتواكب والملائمة مع هذا الوسط الخانق انتهت بها بمطالبتها للانفصال بعد فترة سادتها الصمت والرضى الصامت الذى يحمل بداخله لحظات انفجار.

كانت تلك محاولة للتخلص من صورة لا تشبهها تماما ، فاضطرت للجوء للعمل بوظيفة لا تمثلها على الإطلاق لأنها ذات راتب أوفر وأعلى، كل طرق الحياة التى تخوضها تطبق عليها الخناق وتضيقه بأن تمارس شانتال أكثر من شخصية فتتماهى بالتلائم وسط الوظيفة ولكنها بداخلها لا تحتمل وجودها فى هذا المكان. 

فى حوارها مع جان مارك..  “هل يتبين لك أنك حتى فى بطن أمك المكان الذى يقال انه مقدس، يتم مراقبتك ، انهم يصورونك يتجسسون عليك، يراقبون استنماؤك المسكين كجنين ، لن تفلت منهم حيا هذا أمر نعرفه ولكن لا تلفت منهم حتى قبل ولادتك! كما لن تفلت منهم بعد موتك أتذكر الرجل الأرستقراطى الروسى الذى اُتهم بالإحتيال ولفحمه واغاظته بعد موته تم استخراج رفات سيدة فلاحة أفتُرض فيها أنها أمه تم، لقد شرحوا عظامها من أعطاهم الحق فى نبش رفات هذه المرأة المسكينة والتنقيب فى عُريها ، هذا العرى المطلق.. آه ياجان مارك .. كم أشعر بالنفور لا أشعر إلا بالنفور” كانت هى كلماتها عن وظيفتها وشعورها الدائم بكرهها لهذا المجتمع وعدم انتماءها له، شعورها بالنفور والإغتراب والكره والإشمئزاز هو مايسيطر فقط عليها.

وكما اعتاد ميلان اظهار البواطن النفسية للشخص وما يكاد يخفيه عن العالم الخارجى ، هو اعتراف شانتال بفرحها أو رضاها التام عن موت إبنها وفقدانه.
من المستحيل أن يمتلك الشخص طفل فى هذا العالم الذى يزدريه، فأن الأبن هو القشة أو الهدف الذى يجعلنا نتعلق بهذا العالم نفكر فى مستقبله نهتم بتطويع القادم لصالحه، نأخذ غباوته التى لا دواء لها على محمل الجد، ولكن فقدان طفلها كان نوع من التحرر افقدها صبغة مواجهة هذا العالم الذى تكرهه شانتال ولذلك كان فقدان هذا الطفل بمثابة هدية مخيفة لشانتال ولكنها قبلتها تماما .

تمتلك شانتال صورة ذاتية مشوهة المعنى وهو ما أكد عليه ميلان ببراعة كانت تستاق النظرة والقبول لنفسها من عيون الآخرين .

إقرأ أيضا: المقدس والهوية | تحولات الذات العربية

فى تسلسل هرم ماسلو للإحتياجات

هناك نوعين من التقدير الحاجة إلى التقدير الخارجى والشعور بالإعجاب والتوق لذلك والحاجة الأكثر أهمية وضرورة هى الوثوق بالذات والرؤية السليمة الغير مشوهة للنفس وتقديرنا الداخلى السوى ، لابد من إشباع الحاجة الداخلية لتقدير ودعم الذات والأنا وإلا سيضطر الإنسان للبحث المُضنى خارجيا عن القبول والإطراء والإعجاب وهى سلسلة لا متناهية من التشتت وضياع الهوية الفردية ، فلن تنبع هذه القيم إلا من نمو وتشبع شعورك القويم بذاتك. 

وتطرق ميلان لنقطة نفسية غاية فى الخطورة ودعمها بشكل رائع مع تفاصيل الأشخاص وحكاياتهم بل ورؤيتهم الأعمق لنفسهم عن طريق عرض الأحلام والكوابيس والأفكار الخافتة التى تدور برأس كل إنسان دون أن يفصح بها ولكن لسان حال الشخصيات أفصح عن مكنوناتهم وطريقة تحديد هويتهم وحياتهم 

جان والبحث عن الهوية المفقودة وسط الصراعات النفسية والمجتمعية

تشتت جان بين الكثير من الوظائف والمهام دراسته لأكثر من مجال وعدم شعوره بالراحة تجاه أى منهم محاولا التوائم مع مايناسبه ويشعر فيها بهويته، شعوره الدائم بالفشل والضياع وعدم الإستقرار، احساسه المستمر بأنه كالرجل المتشرد الذى يقف متسمرا بجوار شجرة الزيزفون القديمة يتلقى بضع فرانكات من المارة مرتديا حُلة لا توحى بأنه شريد أو شخص بلا مأوى وكأن صورة جان الداخلية هو الآخر مشوهة عن ذاته فيرى ذاته ذاك الرجل البائس الوحيد المتجول فى الشارع لتهبط عليه رحمات الماره والسائحين، كان شعوره الداخلى بأنه ضائع ولا يستطيع أن يُدرك نقطة التقاء وجوده أوأسباب الحياة ، فنجده يخبر شانتال أن من مسببات الحياة لديه هو مقدرته على مناقشتها أى الأمور التى يتفنن فى صناعتها أو تفاصيل عمل كل منهم حيث يتداركوها بتبعات ساخرة هازئة من الوضع وتصنيفها فى شكلها الحقيقى بعيدا عن المحاباة أو التماهى ، أى أنهم يجدون روحهم الحقيقة أو هويتهم الحقيقة فى تلاقى كلماتهم وتجاذب الأحاديث المختلفة.

إقرا أيضا: الحب من وجهة نظر علمية | الهوس الجنس الجاذبية

ظهرت قوة هذه العلاقة فى قدرتهم على أظهار مشاعرهم الحقيقة والتنفيس عن خفايا أرواحهم والمحاولة المقصودة والغير مقصودة فى مساعدة كل طرف للآخر فى الوصول لإجابات أو التخلص من سأم التماهى والإغتراب ، احتضان جان الدائم لشانتال وتصريحها الخالى من أى تزييف بكرهها للبشر والعالم المادى وانتهاكهم لحرمة الجسد للجنين قبل الموتى.

محاولة”جان” فى التخفيف عن شعور شانتال بفقدانها الرونق وجاذبية الجسد بتصنع العاشق الخفى ليحرك بداخلها روح أخرى جديدة، رُغم أنه أصيب بالذعر لتغير هوية شانتال مع وجود مؤثر آخر خارجى ولكن يظل الغرض هو الاعتناء بها. 

كما تبينت وجهة نظر كونديرا أن لا وجود حقيقى لهويات دائمة وثابتة، بل هى تحولات متكررة طوال الوقت وتغيرات تندرج وفقا للحالة الزمانية والمكانية للفرد، فالماضى قد يكون عنك زملائك وأصدقائك رؤية ينتابها الثبات، ولكن الحقيقة أن بمرور السنوات قد تفيرت تلك الهوية تماما حتى أصبحت لا تمت إليك هذه الصورة القديمة بصلة، إذا الإنسان فى تواتر وتسارع دائم مع تكوين وتحديث هويته وانتماءاته ولن يفلح شخص لتثبيت وجه أو شكل واحد لذاته طوال الوقت.

فى النهاية ظهرت شانتال فى حلمها فى أحد المنازل الماجنة تصارع الخروج منها ولكن دون جدوى لم تجد لها مخرج، بينما مارك بالخارج يشعر بأنها فى خطر محاولا أن ينقذها ، يستمع إلى نحيبها ولكن لا يستطيع الوصول إليها، لم نعلم متى بدأ الحلم ومن منهما يحلم هى أم مارك وتلك الأحلام ماهى إلا تصوير عميق لذات الأشخاص وعالمهم الخفى.

ومن هنا ظهر جوهر جديد وهو رابط الحب بينهما كان يمثل العنصر الساحر وسبيل خلاصهما من ضياع الهوية،  بينما تستيقظ شانتال مرتعبة تبحث عن مارك ، شاخصة بصرها تجاهه مُرددة سأضعك دوما أمام ناظرى لن أدعك تغيب لن أفقدك ، كما شعر مارك سابقا تجاه شانتال عندما تخيل أنه سيفقدها على الشاطئ وستطيئها عجلات المصطافين فأسرع مناديا كى يحاول تنبيهها، شعورهما بالخوف من الفقدان رغم محاولاتهما الدؤؤب بإيجاد ذاتيهما ماهو إلا إذعان وتصريح بالحب ودعوة للإنقاذ المتبادل، فقد يكون ذلك الرابط بينهما وسخاء الحب هو السبيل لخلاصهمها من الصراع الأزلى للهوية.

كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه