كافكا - رسائل كافكا

يُعد فرانز كافكا علامة بارزة وموهبة غريزة الإنتاج وأفضل ممارس مُبدع فيما تدعوه “فيرجينيا وولف” الأدب الإنساني، من بين مئات الرسائل فى فن الأدب الإنسانى،استطاع كافكا فى فترة حياته الوجيزة، أن يُصيغ أجمل رسائل الحب المُفطرة للقلب، وخطاباته الرائعة لصديق الطفولة عن مدى تأثير الكتب على حياة وروح الفرد.

والجدير بالذكر هو تشبعه العميق الغير عادى بالرؤية الاستبطانية والقدرة على كشف الذات ، ولا نستطيع تجاوز السبع وأربعون صفحة التى كتبها فرانز إلى والده هيرمان فى نوفمبر ١٩١٩، التي تعد الوصف الأقرب للسيرة الذاتية لكافكا.

إن السبب الأكبر لإنطلاق هذه الخطابات هو تصميم هيرمان على انهاء خطبة كافكا ل فيليس باير، وقد كان رفض هيرمان لهذه العلاقة أثراً ساماً نتج عنه الإغتراب والبعد مابين الأب والأبن.

فى عمر السادسة والثلاثين شرع كافكا فى تحميل والده مسئولية هذا الانفصال والاغتراب، بسبب الإساءة العاطفية والنفسية  والمعايير المزدوجة المُربكة، والاستياء المستمر الذى لازمه طوال طفولته.

إن هذا الثوران الشرس والعنيف من قبل فرانز لأمر حتمى ومحسوم نتيجة لتراكمات من الألم والإحباط على مدى ثلاثين عاماً.

تلك الإتهامات التى قدمها فرانز تعد مروعة بشكل مضاعف ، وذلك فى ضوء ماأكتشفه علماء النفس، أن اتصالتا العاطفى الحوفى المبكر بالأباء ، يُشكل شخصياتنا بعمق بل ويُرسى الخطوط الرئيسية للمشاعر والعادات العاطفية، وأنماط الإتصال التى تؤثر بشكل كبير على ما نقدمه لكل العلاقات فى حيواتنا القادمة، إما بالتوسع أو الاقتصار وأيضا قدرتنا على الأثر الإيجابى، وذلك استنادا على مدى صلاحية أو سُمية نماذج العلاقات التكوينية السابقة مع الأباء.

بالنسبة لأولئك الذين لديهم تجارب سابقة مماثلة  سواء أكان ذلك من قبل البطريرك أو الأم، فإن رسالة كافكا إلى والده تجمع بين الألم الشديد فى عمق تأثيرها، ووقعها الغريب المريح للنفس للتصريح والبوح ومشاركة هذه الحقيقة.

لقد سألتنى مؤخرا لماذا أُصر على أننى أشعر بالخوف منم، كالعادة كنت غير قادر على الإجابة عن سؤالك، وبالأخص فيما يتعلق بكونى خائف منك، لأنه ببساطة إذا حاولت أن أعطيك إجابة واضحة مكتوبة، فستظل غير مكتملة للغاية، لأن حجم الموضوع يتجاوز نطاق ذاكرتى وقوة تفكيرى.

الصفحة الأولى من رسالة كافكا:

بالنسبة إليك، كان الأمر يبدو دائما بسيطاً جدا على الأقل بقدر ماتحدثت عنه أمامى، وبشكل عشوائي أمام العديد من الأشخاص الآخرين، لقد عملت بجد طوال حياتك، وضحيت بكل شئ من أجل أطفالك وقبل كل شئ من أجلى.. وتباعاً لقد عشت حياة جيدة وكان لدى الحرية لتعلم كل شئ أريد، ولم يكن لدى أى داع للقلق وأعنى بذلك أى قلق على الإطلاق، أعلم أنك لم تتوقع أى امتنان من طفل فقط لأنك تعلم امتنان الأطفال، لكنك توقعت على الأقل نوعا من الإلتزام والطاعة، وما كنت أحتاج إليه فقط هو قليل من التشجيع قليل من الود والعطف،  بدلاً من ذلك كنت انكفئ في غرفتي بين كتبي وأشيائي، أو أتسكع مع أقراني الحمقي والمجانين، أو أضيع متسولا بين أفكارى الخاصة، ورغم كل ذلك لم تديننى بأى شئ غير ملائم لم تتهمنى بأى صفة شريرة أو وصف خبيث، فيما عدا حادثة زواجي مؤخرا. 

ولكنك أسأت إلى بالتجاهل والامبالاة والبرود، اصبتنى بالعزلة والإغتراب وعدم الإمتنان، وزيادة على ذلك كنت تعمد دائما أن تلومنى بطريقة تجعلنى أظن أنه خطأى !

كما لو أننى أمتلك عجلة قيادة، بمجرد لمسها أستطيع تغيير كل شئ، هذه هى طريقتك دائما فى وصف الأمور، ولكنى لا أُلقى عليك اللوم كاملا فيما يخص مسألة اغترابنا بل وأنا ايضا لا ملامة على، ولوضع حد لهذه الأمور وجعلها ممكنة نحتاج لبناء حياة جديدة وهذا أمر صعب لكلانا فقد تقدم بنا العمر ، ولكنها تعتبر هدنة وسلام وفرصة للتقليل والحد من لومك المستمر والدائم.

إقرأ أيضا: رواية الهوية لميلان كونديرا | قراءة نقدية

لقد كنا دائما مختلفين وكان فى اختلافنا خطورة على وضعينا ، لو قرر أحدهم أن يضعنا فى مقارنة كيف يمكننى أنا الطفل البطئ النمو الساذج، وإنت الرجل العاقل الناضج!! لكنت بكل بساطة تدهسنى أسفل قدميك ، حتى لا يتبقى منى شيئاً..

حسناً.. هذا لم يحدث ولا شئ فى هذه الحياة يمكن توقعه أو حسبانه ولكن حدث الأسوأ.

وددت دائما ألا تنسى للحظة واحدة أننى أحملك الذنب كلياً إو أنه يقع على عاتقك بمفردك ولكن التأثير الذى تركته على هو الذى لم تستطع تحمله، لذا ينبغى عليك أن تتوقف عن التفكير أنه شئ ماكر وخبيث أن استسلم لهذه الأفكار.

والآن بعد كل ذلك انت أب لطيف وطيب القلب، وهذا لا يتعارض مع ما أتحدث عنه ولكن هذا هو الانطباع الذى تركت أثره علىِ وأنا طفل.كنت طفلا خجولا ولكننى كنت عنيداً مثل باقى الأطفال، وأفسدنى دلال أمى قليلاً، ولكن من الصعب تصديق أننى كنت صعب المراس ، كانت كلمة واحدة لطيفة وحديث ودود أو جولة تعانق فيها يداى كفيلة بأن أُطيع أوامرك.

من المؤكد أنه ليس لجميع الأطفال القدرة على التحمل والبحث عما وراء السطح والوجه الظاهر حتى يصل إلى عمق الشخصية المختبأة خلف القشرة الخارجية ومن الممكن أن تعامل طفل بنفس الطريقة التى تشكلت بها شخصيتك.. فقد كنت أب حاد مُزعج ومتقلب المزاج، وبينما كنت تتبع هذا الأسلوب كنت تعتقد أنها بمثابة صفقة رابحة حتى أصير شخص ناضج ومتعقل مثلما وصلت أنت إليه.

يروى كافكا حادثة مؤلمة بشكل خاص فى إحدى الليالى عندما كان صبيا صغيراً ظل يبكى من أجل الماء ” لا أعلم إن كنت أبكى لأننى أشعر بالظمأ أم لأزعج الأخرين، أم كنت ابغى فقط التسلية”.

إقرأ أيضا: رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا | قراءة نقدية

حتى غضب والده من بكائه غضباً شديدا، لدرجة أنه أخرجه من سريره وحمله إلى الشرفة بملابس النوم وأغلق عليه الباب.

أصبحت مُطيعا تماماً بعد هذا الحادث، لكن هناك ضرراً داخليا أُحدث بداخلى ، ما كان الأمر بالنسبة لى بالطبع هو البحث عن الماء، ولكن منعنى تصرفه القاسى وحمله لى إلى الشرفه من التواصل معه بشكل صحيح، حتى بعد الحادث بسنوات، صرت دائما أعانى من التخيل بأن الرجل الضخم ” أبى” تلك السلطة المطلقة،  سيأتى دوماً بلا سبب ويأخذنى من سريرى ليلاً ليلقى بى إلى الشرفة، ولذلك شعرت دوما أنى لا أُمثل له شيئاً.

كان من أحد أشكال الإنتقاص المتكرر، هو عادة هيرمان الدائمة ، فى مهاجمة أى شئ يثير حماسة الشاب ، هدم دائم ومستمر لكل مايلاحقه أو يهتم به فرانز.

كتب فرانز وقال:

إنه من الضروري أن تشعر بالسعادة تجاه شئ ما، أن تتغلغل الفرحة بقلبك، وتعدو سريعاً إلى المنزل لتتحدث عما أثار حماستك، ويكون الجواب  هو تنهيدة ساخرة أو إيماءة رأس غير مكترثة وأحياناً نقرات مزعجة بالأصابع على الطاوله.

إنه لأمر عادى ألا تتحمس لكل التفاهات الطفولية نظراً لطبيعتك العدائية الفطرية ، فلن تستطيع أن تقدم أى مساعدة بل جل ماتقدمه هو مجموعة من الإحباطات المحتومة، تلك العدائية المستمرة تشكل مادة متراكمة مُكثفة من الإحباطات، وهذا النوع من الإخفاقات هو ليس بالشئ الطبيعى لطفل، فتصبح أنت السبب الرئيسى المكون لها، أنت الشخصية الهامة فى حياة الطفل، يُعد ذلك وعكة تعصف لُب المكونات الرئيسية للشخصية من شجاعة، ثقة، حسم والبهجة فى هذا وذاك لم تكن لتدوم عندما كنت تعارضها وتقف ضدها، حتى لو كان اعتراضا فرضيا لفظيا فقط.

بعد خمس سنوات فقط من تقديم ” فرويد” لمفهوم النرجسية وقبل نصف قرن من تصنيف اضطراب الشخصية النرجسية فى الكتاب المقدس للطب النفسى، والدليل التشخيصي والإحصائي للإضطرابات العقلية يقدم لنا كافكا تشخيصا مثاليا وبصريا لوالده.

دوما كان غير مفهوم بالنسبة لى افتقادك التام لشعور المعاناة أو العار والألم الذى يمكن أن تسببه لى كلماتك وأحكامك، كان الأمر يبدو كما لو أنك لا تمتلك أى فكرة عن مدى قوتك وتأثيرك على، أنا أيضا كنت أؤذيك بكلماتى أعرف ذلك جيدا، ولكن لم استطع السيطرة على نفسى، ولم استطع أن أكبح غضبى، كنت أسفاً حتى عندما أقولها، لكنك كنت عكسى تماماً كنت تتمسك بكلماتك بها دون لغط أو شعور بالأسف تجاه أى شخص، فدوما يصبح الشخص أعزل تماما ضدك

المصادر:

https://www.brainpickings.org/2015/03/05/franz-kafka-letter-father/

كُتب بواسطة

ساره القصبي

كاتبة ومُترجمه للأدب والمقالات الإنجليزيه