فكرة الموت - فكرة الموت - الجذور

لماذا عمد أبناء جنسي، منذ زمن بعيد، إلى أن يتركوا وراءهم صورا مرئية مرسومة على مساحات صلبة، ملساء ومحدودة (بالرغم من أن الجدران في العصر الحجري الأولي كانت محدبة وبدون تخوم، وأن إطار اللوحة شيء حديث العهد)؟ لماذا تلك الخطوط والنقوش والرسوم على الصخور، لم تلك الأحجام المنشأة ودوائر دلمن والأنصاب والأعمدة والتماثيل النصفية والأصنام أو التماثيل الإنسية؟ هل وعد ولادة جديد ” الولادة بالموت” لماذا، عموما، توجد الصورة عوض ألا توجد؟ لنقبل للحظة بأننا نجهل عن الأمر كل شيء ولنلج بوابة الظل.

الجذور أو ميلاد فكرة الموت

المصدر ليس هو الجوهر، والصيرورة مهمة جدا. لكن كل شيء مـظـلـم يستثير بماضيه العتيق. فالعتاقة في الإغريقية تعني في الآن نفسه علة الحياة والبداية. فكل من بصعد الزمن تتعمق معارفه.

لنبدأ رحلتنا هذه المصادر الصورة بوسائلنا الخاصة، أي بعيوننا وكلماتنا.

حوالي 000 15سنة ق. م : قبور ولحود تنتمي للعصر الحجري الأول، وخضاب صلصالي على عظام الموتى، عام 000 30 ق. م. تأليفات مشعة لمغارة لاسكو : إنسان مقلوب له رأس طائر وبقر وحشي صريع إضافة إلى جياد هاربة تتابعها السهام. خلال آلاف السنين، ثمة عودة ملحة للرمزية المتصلة بالخصوبة والموت معا،

حوالي 000 5 سنة ق. م : الرمح القضيب مقابل الجرح الفرج. الجثت المبرقشة المنتمية للعصر البرونزي التي حفظتها برودة تربة الألتاي Altai، الجماجم ذات المحاجر التي يغطيها الهيماتيت .

حوالي 000 2 سنة ق. م : القبور الفرعونية لمومفيس والنواويس المكتشفة في مصر العليا بتوابيتها ذات العيون الكبيرة المصبوغة، وعلى الجدران قوارب الآخرة والهبات العينية . حوالي 1500 عام ق. م : القبور الملكية في مدينة مينيسيا بعلاماتها الجنائزية الذهبية.

حوالي 800 سنة ق. م : الجداريات المليئة حياة في المقابر الأترورية. مواكب النائحات التي تجسدها الخزف الإغريقي الأولى في الفترة الزمنية نفسها. جدارية بلوتون وبيرسفون في قبر فليب ملك مقدونية،

حوالي 350 ق. م. المنحوتات الجدارية للقبور الرومانية. سراديب القبور المسيحية. مدن الموتى الميروفنجية في القرن السادس بمشابكها المحشوة ذهبا في صور طيور. صناديق عـظـام الموتى ومخلفات القديسين وذخائرهـم للعصور الوسطى.

الشواهد المجسمة البرونزية من القرن الحادي عشر، والأقنعة النحاسية المذهبة من القرن الثالث عشر، وشواهد القبور، والتماثيل الجنائزية لمنطقة بلانش العائدة الشمبانيا، والبابوات والقديسيون الساجدون، في قبور عصر النهضة، ولنختصر لائحة الكليشهات. فمن البداهة أن الفن يولد جنائزيا، ويبعث بعد موته بحافز من الموت .

فشرف القبر يطلق، من مكان لآخر، جماح المخيلة التشكيلية، ومدافن العظماء كانت هي أولى متاحفنا، والموتى أنفسهم أوائل جماعي التحف الفنية. ذلك أن تلك الكنوز، من أسلحة وأواني وأوعية وتيجان وصناديق ذهبية وتماثيل نصفية من المرمر، وأثاث من الخشب النادر لم تكن معروضـة لأنظار الأحياء. كما أنها لم تراكم في الجثـوات أو الأهرام. و أقباء القبور كان يمنع ولوجها في الغالب الأعم مع العلم أنها مليئة بالنفائس.

أما نحن، أناس العصور الحديثة ،فإن خزانات صورنا معروضة للرؤية. يالها من دورة غريبة لمساكن الذاكرة. فبما أن القبور كانت متاحف الحضارات التي لم تعد تعرف كيف تشيد المقابر، ألا تملك الحضارات الحديثة، البذخ العمراني، والسطوة، والحماية اليقظة المحكمة والعزلة الطقوسية في الفضاء المدني، اللازمة لذلك؟

بيد أن الصور المخزونة بعيدا عن الأنظار، في مصر وميسينا وكورنثيا كانت مخصصة لمساعدة الموتى على متابعة نشـاطـاتهم العادية، بينما علينا نحن أن نوقف أنشطتنا لزيارة أضرحتنا. لقد أوقفنا، بشكل متأخر، الهم العملي للتعلق بالحياة وعمدناه باسم الجماليات .

وبعد تصفحنا للألبوم، لنعد الآن للمعجم. فإذا كانت الإتيمولوجيا ليست موثوقة فإنها على الأقل تشير علينا بالمعنى. لنبدأ بالأصل اللاتيني simulacrum؟ إنه الشبح . وعة عن ال imago؟ إنها كلمة ية تعني القناع الشمعي الذي يوضع على وجوه الموتي والذي يضعه القاضي في الجنازة، ليحتفظ به في صناديق الفناء فوق الرف بعيدا عن كل العيون. فالدين الذي ينهض على تقدس الأجداد كان يتطلب أن يعيش هؤلاء من خلال الصورة. لقد كان للنبلاء الحق لوحدهم في عرض نظير للسلف على العموم .

إن un homo multarum imaginum لدى سالیست Salluste هو شخص له أسلاف كثيرون من الشرفاء والأعيان، وإذن له الكثير من التماثيل الجنائزية في الخارج، التي ترفع عاليا … وال Figura كلمة تعني، أولا، الشبح، ثم الصورة والوجه. فهل سنرى في ذلك تسويـدا محزنا وجنائزيا للحياة المضيئة لهيلادا.

لندر وجهنا إذن نحو الإغريق، تلك الثقافة المشمسة العاشقة للحياة وللرؤية إلى حد عدم التفريق بينهما. فالحياة بالنسبة للإغريقي القديم ليست، كما هي لدينا، مرتبطة بالتنفس وإنما بالرؤية والموت وفقدان البصر. نحن الفرنسيون نقول عن الميت : لفظ نفسه الأخير، أما الإغريق فيقولون : “أطلق نظرته الأخيرة”.

إن حصي العدو أهون عليه من فقء عينيه. إنه سيغدو أوديب الحي الميت. ها نحن إذن أمام جماليات حيوية. إنهـا بـالـتـأكـيـد أكثر حيوية من الجماليات المصرية، والمفاجأة تكمن في أن الموت يتحكم هنا أيضا في كل شيء.

أما Idole (صنم) فإنها مشتقة من eidolon، التي تعني خيال الموتى وشبحهـم، والطيف، ثم فيما بعد فقط أصبحت تعني الصورة والصورة الشخصية. فالإيـدولـون القديم كان يعين روح الموتى التي تخرج من الجثة في شكل خيال لا يقدر أحد على الإمساك به. إنها نظير الجسد ، الذي يسهل طابعه الدقيق الذي لا زال جسمانيا تصويره تشكيليا.

فالصورة هي الخيال والظل, والظل هو الاسم العام للنظير double. لذا، وكما ذكر ذلك جان بيير قرنان، لهذا الاسم ثلاث معان مترادفة ومتجاورة : “صورة الحلم” (onar)، شبح ترسله الآلهة (phasma)، وشبح الميت (psyché). هكذا كان الأمر مع باتروكل المسكين حين ظهر لأخيلوس في المنام.

إنه إذن مصطلح مأساوي ومعروف لدى كتاب التراجيديات. فقـد كـتـب إسخيلوس : “النعرة القاتلة التي تلاحق إيو لـيـسـت غيـر شبح وصورة أرغوس نفسه”. ويسـوق يوريبدوس المصطلح في مسرحية السيئت، على لسان زوج هذه الأخيرة الأرمل أدميت، وهو يتوسل إلى النحاتين لإعادة زوجـتـه إليه حية : “إن جسدك المشخص بأيادي مصورين مهرة سيكون ممددا على سريري، وجنبه سأستلقي، وحين سأعـانـقـه مناديا إيـاك باسمك سأخال زوجتي العزيزة بين يدي برغم غيابك : ستكون شهـوة باردة بالتأكيد.

كان الخزفيون الأثينيون يمثلون لولادة الصورة أحيانا بمحارب مصغر يخرج من قبر محارب هلك في المعركة ومات أحسن ميتة. هكذا تؤكد الصورة انتصار الحياة، بيد أنه انتصار منتزع من الموت ومستحق منها. وليس لنا أن نعتقد، من ثمة، أن نظام الرمز ذو مصدر أكثر خلوصا من المـصـدر الفـظ للمـتـخـيـل imaginen.

فالجثـة تشـكـل تربتهما الخصبة المشتركة. لقد اشتقت كلمة علامة signe من séna أي شاهدة القبر. séma chéein لدى هوميروس تـعـنـي تشـيـيـد قـبـر فـالـعـلامة، التـي نعـرف لها لحدا، تؤسس علامة المشابهة. لذا فإن الموت باعتباره دلالة أصلية يبدو بعيدا كل البعد عن السيميـولـوجـيـا وعـلـم الدلالة الحديثين، لكن يـكـفـيـكـم أن تـكـشـطـوا بعض الشيء علم العلامات كي ينكشف الخزف والصلصال المنحوت والقناع الذهبي.

فالتمثال، تلك الجثة الثابتة، الواقفـة تُحيي من بعيد المارة تشير إلينا بإشارتنا وعـلامـتـنا الأولى. تحت الكلمات تثوي الأحجار، فلكي تـغـدو الـسـيـمـيـولـوجـيـا مفهومة، هل سيكون عليها في يوم ما أن ترجع وقائع اللغة لوقائع الصور أي للجثة الآدمية؟ .

الصورة قبل الفكرة ” الموت هو أولا وقبل كل شيء صورة “

يقول باشلار : “الموت هو أولا وقبل كل شيء صورة، وسيظل كذلك صورة .

إن فكرة الموت، باعتباره بعثا أو سفرا ومرورا، فكرة متأخرة في الزمن وثانوية. فتصاوير الخلود (بما أن الموتى في الغرب لم يعودوا يموتون فعلا إلا في زمننا) قد سبقت مذاهب التعلق بالحياة. أين ظهر فن التصوير المسيحي في القرن الرابع، وهو الذي لم يكن في حسبان رهبان الكنيسة؟ على التوابيت وفي سراديب المقابر.

وما الذي تحكيه هذه التمثيلات التي كانت آنذاك مجردة؟ انتصار الإيمان على الموت وبعث المسيح وبقاء الشهداء على قيد الحياة. لقد كانت أولى الصور في هذه العقيدة، التي كانت تزعم رفض الصور، واقعة تحت تأثير الأساطير التوارتية عن خلود الروح.

ليست فكرة الخلود فكرة ثابتة كما الأمر بخصوص فكرة الروح. والفكـرتـان معا لم تترابطا دائما (فالبقاء على قيد الحياة قبل الثورة المسيحية كان أولا قضية حياة الجسم). وعلينا ألا نخلط بين البدو الرحل الذين كانوا يحرقون أمواتهم كي يمنحوهم للريح والنجوم أو البحر، والمتمدنين الذين كانوا يدفنونهم في وضعية الجنين كي يعيدوهم لأمهم الأرض التي ستتكفل ببعثهم أحياء. كل حضارة تتعامل مع أمواتها بـطـريـقـتـهـا الخاصة، وبذلك فهي تختلف عن الحضارات الأخرى في كل شيء، ولكل حضارة أشكال قبورها. لكن، لن تكون الحضارة حضارة إذا هي لم تخصص لهم تعاملا خاصا (ولعل ضعف العمران الجنائزي هو الذي جعل حداثتنا قريبة من الهمجية).

لذا فإن الحضارات التي جعلت من الموت نواتها التنظيمية ليست لها نفس المآثر لأنها ليس لها نفس الآخرة. فالقبر المصري الذي لا يرى من الخارج يدير وجهه للداخل نحو روح الميت.

لقد كانوا يدفنون فيه العطايا والهبات كي يضـمـنـوا غـذاء جيدا لتلك الروح ويرافقوها في بقائها على قيد الحياة. أما القبر الإغريقي الموجه نحو الخارج فهو يحاور الأحياء مباشرة. يتم إنشاء نصب تذكاري يرى من بعيد لتخليد ذكرى معينة. وفي الحالين معا يكون فضاء القبر، باعتباره مسكن الميت، مميزا عن فضاء المعبد، مسكن الآلهة.

لقد كانت الثقافة المسيحية الأولى التي أدخلت الرفات الجسماني لفضاء المقدس. بدأ ذلك بالقديسين والشهداء ثم بالأساقف والأمراء، ولا مقارنة بين الـلـحـد المـصـري والصفيحة الحجرية للقبر، وبين المنحوتات الوسطية الخشبية المتآكلة التي تمثل للبطل راكعا أمام قديس، وبين الفارس النهضوي الماثل بكبرياء على قبره المرمري. لكن سواء تعلق الأمر بقبر في قاعة أو بئر أو قبة أو جثوة، وسواء كان مرتفعا أو منحوتا في الصخر، ثمة دائما مأثرة عمرانية.

وإذا ما نحن ترجمنا ذلك حرفيا فإن الأمر يتعلق بإنذار بضرورة تذكر الموتى. وسواء تعلق الأمر بحورس أوغـورغـون أو ديـونـيـزوس أو المسيح، ومهما كانت طبيعة الأسطورة الإلهية فإنها تنتج الصورة. إن الآخرة تتطلب توسط الدنيا. وبدون عمق من اللامرئي وجود لشكل مرئي. وبدون قلق العرضي فلا حاجة للسحيق.

فالخالدون لا يأخذون لبعضهم البعض صورا. الله نور، ووحده الإنسان مصور فوتوغرافي، ذلك أن الذي يمر وهو يعرف أنه فـقـط عـابـر يـرغب في البقاء. فالإنسان يأخذ الكثير من الصور الفوتوغرافية ويصور الكثير من الأفلام للأشياء التي يعرف أنها مهددة بالانقراض، من نباتات وحيوانات بحرية وبوادي وأحياء عتيقة وثروات أعماق البحار. فمع قلق التأجيل يكبر الهوس الوثائقي ويتعمق.

مرحلة المرآة

يقول فوستيل دو كولانج F. De Coulanges : “ربما جاءت الإنسان فكرة الخارق لأول مرة عند رؤيته للموت، تائقا إلى آخرة ممكنة لما يراه. لقد كان الموت اللغز الأول الذي حير الإنسان، وهو الذي وضعه على طريق الألغاز والعجائب الأخرى. فقد سما بتفكيره من المرئي إلى اللامرئي ومن العابر إلى الخالد ومن الإنساني إلى الإلاهي”.

وإذن، ربما أن الحيوان غدا في يوم من الأيام إنسانا عند رؤيته لكائن ميت، ذلك أن أنثى من الثدييات الرئيسية، كأم شامبانزي مثلا، تستمر في اللعب مع صغيرها الذي مات كما لو كان نائما وحيا. وحين تدرك أنه لم يعد يتحرك تتركه وراءها كما لو كان شيئا من بين الأشياء الأخرى. وهي تبدو وكما لو أنها نسيته للتو. والحقيقة أن جثة إنسانية لا تتعرض لدينا لنفس التعامل، فهي ليست كائنا حيا، لكنها مع ذلك ليست شيئا.

إنها حضور وغياب في الآن نفسه، أي أنا نفسي وقد غدوت شيئا، وكياني نفسه لكن وقد استحال إلى موضوع. “يا موتا مشوها ومقيتا عند النظر. من الممكن إذن الاعتقاد بأن أول تجربة ميتافيزيقية للحيوان الإنساني كانت ذات طابع جمالي وديني معا، وكانت تتمثل في هذا اللغز المحير : مشهد إنسان ينتقل إلى حالة هلام غير متعين وربما كانت مرحلة المرآة الإنسانية الحقيقية تتمثل في تأمل الذات في النظير أو الشبيه، و رؤية ماهو مغاير للمرئي في المرئي القريب. أما العدم في ذاته فهـو “مالا أدريه وما ليس له اسم في أي لغة”.

إنها لرضة صاعقة، حتى نسمي هكذا هذا الإجراء المضاد : أن يصنع المرء صورة لما لا يسمى، أي نظيرا للفقيد كي يتم إبقاؤه على قيد الحياة، وبالمقابل ألا يرى مالا يدري في ألا نفسه باعتباره شبه لاشيء.

إنه طابع دو دلالة، وإضفاء للطابع الشعائري على الهاوية عبر التضعيف المرآوي. “لا الشمس ولا الموت يمكن أن يريا مباشرة”. لقد عمد بيرسي، في الأسطورة اليونانية، إلى استعمال مرآة لقطع رأس ميدوزا. فالصورة، أي صورة، هي بالتأكيد هذه الحيلة غير المباشرة، وتلك المرأة حيث يمسك الظل بفريسته. إن عمل ا الحداد هكذا، بصناعة صورة للآخر يكون فيها الخلاص.

وإذا كان هذا التطور صحيحا فإن الذهول الذي يحصل إزاء جثمان الميت، باعتباره الشعلة المؤسسة للإنسانية، قد حمل معه الانطلاق الديني والتشكيلي معا، أو إذا شئنا، الاهتمام بالقبر والاشتغال على الجثمان.

وهما معا مترابطان. فكما أن الرضيع يستجمع أعضاءه وهو ينظر للمرة الأولى في مرآة، نقابل نحن التفسخ الناتج عن الموت بإعادة التكوين بالصورة.

وإذن، فإن الصورة تأتي مما وراء القبور، بالمعنى الحرفي للأمر. إنها تشبه التثمال الصغير الفانجي fang الجاثم على غطاء صندوق الرفات الذي يحـوي عظـام الجد” (ف imago (صورة) وossa (عظام) غالبا ما يكونان مترادفين في اللغة اللاتينية). إنها تخرج منه حتى يظل السلف هناك مستقرا ومنضبطا، وكذا لمنعه من العودة لإزعاجنا، وحبس روحه الطائرة في مكان أكيد. ليس بالإمكان التخلص من الـنـظـيـر مـن دون إضفاء الطابع المادي عليه.

وكل القارات تساهم في صياغة هذا المنطق. وكلمة double (نظير، صورة، نسخة) لها مرادفات في كل اللغات (رافاييم في العبرية و “كا” في المصرية القديمة وgenius في الرومانية .. الخ). نعم حتى في الثقافة اليهودية. ففي الأضرحة اليهودية للعصر الهليني تم العثور على ما يشكل خرقا للمحظورات اللاوية lévitiques، أعني اللحود التشخيصية (بيت شعاريم). كما لو أن الوصية الكبرى الثانية أباحت التصوير في حالة قصوى للضرورة. وكما لو أن الحاجة العاطفية للبقاء على قيد الحياة كانت لها من القوة بحيث خرقت القرار الثقافي للكتاب.

لتفسخ الأجسام شكلان : بالرطوبة والجفاف، وبالتمييع أو الإحراق . بيد أن أفضع شيء يمكن أن يراه الإنسان هو القذارة والأشياء الهلامية أي تلك الكتلة المتعفنة المشوهة. إنها الدنس الذي لا يمكن إصلاحه. فالصورة المادية، باعتبارها النظير المضعف، تحميني من تلك الفظاعة ومن المشهد الصاعق للتعفن. يقوم الحجر بإخفاء المتعفن بالصلابة ويتسامى عن الحقارة بالرخام والحجر الزجاجي. أما النصب فإنه يهذب الشر بحضـوره المشهدي. إنه تطهير بصري. وفي وسط جمهور مرسوم جانبيا كما تقدم ذلك الخزفيات الإغريقية تظهر غورغونيا (ومعها ديونيزوس) مرسومة من الأمام على عتبة مملكة بيرسفون.

هكذا يتم التمكن من الهيئة الشريرة ذات العيون القاتلة بـالـصـورة، التي تمنح للرؤية بالمواجهة قيمة وقائية. فالعين المرسومة تطرد العين الشريرة. وعلى الصور ذات الوجوه الحمراء والتي رسم فيها كل المحاربين من الجانب، وحده المحارب المحتضر، وقد انسلخ عن العالم، يملك حظوة منح نفسه للرؤية من الأمام، كما لو أنه بذلك يطلب انتباه المشاهد.

إن ابتكار الصورة التمثالية ، هذا التحويل المضاد لما لا شكل له إلى شيء ذي شكل معين، وللرخو إلى الصلب، يمكن من الحفاظ على المصالح الحيوية للجنس البشري. ولقد نشأت الصورة الشخصية الدنيوية المجهولة المرجع، والتي لا هدف طقوسي لها في مصر وبالضبط في الفيوم، من الحاجة إلى دمقرطة البقاء على قيد الحياة. فلكل امرئ زاد سفره وجواز سفره نحو الشمس.

وأن يتم الفصل بين النظير والجثمان هو في حد ذاته عملية تأمين للسلامة العمومية، قصد وضع الحدود بين الطاهر والنجس وسط المجموعة البشرية، باعتبار أن الأسوأ هو النجس الناجم عن الخلط بين الاثنين. أفليست طمأنينة الأحياء رهينة براحة الأموات؟ إنها أيضا محاولة سيطرة على العرضي الـعـابـر ودليل رائع على الرغبة في الحياة. فكما هو حال الدين لدى برغسون، يمكن التشخيص من تأمين استمرار الغريزة : “باعتباره رد فعل دفاعي للطبيعة ضد التمثيل بالذكاء لجبرية الموت”.

إنها نفس الحيلة الحيوانية. إلا أن “الدفاع” هنا لا يتمثل في السير مع ماهـو متحرك وإنما في وضع الزمن في شراك الفضاء. وإذا كانت “الحياة هي مجموع القوى التي تقاوم الموت” فإن الحلية تعتبر قوة حيوية باعتبارها أول استعراض ضد الموت. فكل صورة تلعب دور تمديد الحياة.

المصادر والهوامش:

ريجيس دوبري, حياة الصورة وموتها, ترجمة فريد الزاهي, إفريقيا الشرق – المغرب, 2002.

Léon Homo, Les Institutions politiques romaines de la cité à l’Etat, Paris, 1927.

يتناقش المؤرخون حول واقع حق تم سنه، حسب البعض، من قبل مومس

Mommsen، لكننا نجد له أثرا في كتابات الرومان كبوليب وشيشرون. انظر ملحق Ancestral Portraiture in Rome, par Annie Zadocks-Josephus Jitta, Amsterdam, 1932. 2- Jean-Pierre Vernant, “Naissance d’images”, in Maspéro, 1979, p. Religions, histoires, raisons, Paris.

-Euripide, Alceste, vers 348.

وانظر أيضا :

-François Lissarague, Un flot d’images, une esthétique du banquet grec, Paris. Adam Biro, 1987.

-Lissarague et A. Shnapp, “imagerie des grecs” ou Grèce des images”. in Le Temps de la réflexion, 2, 1981.

– Ralph Giesey, Le Roi ne meurt jamais, Paris. Flammarion, 1987 (édition anglaise de 1960)