المقدس - الهوية

في التحديد

الهوية بكل التعريفات الممكنة «تحديد»، والتحديد عملية «جوهرة» Essencialization للمفهوم. وهذا المنحى رغم رغبتنا فيه، إلا أن السهولة التي يطرحها تأطير المفهوم ـ على جاذبيتها ـ تسقطنا في فخ غير آمن، وسنرى ذلك بعد قليل .

وقبل أن ندخل مباشرة في علاقة «المقدس» بالهوية، علينا أن نتحدث عن تحديد لمفهوم الهوية عبر القواميس والموسوعات اللغوية والتي اعتادت بسبب مهماتها الوظيفية أن تضع كلمة بكلمة أو جملة بكلمة. وبطريقة لاواعية غالباً، تتجوهر المفاهيم في رؤوسنا ، وربما تتقدس . إنها تبسط، وهذه غايتها إذا استسهلنا وقوعنا في أحابيلها، ولدينا رغبة قوية ومسبقة للاكتفاء السريع .

ما الوطن؟ على سبيل المثال : إنه حدود جغرافية وسياسية يجب ألا تمس؛ وكل وطن مقدس ومسه مدنس، في أميركا وأستراليا ومصر والفلبين ومدغشقر؟! «جوهرته» تأخذ بعداً دينياً أبدياً مفهوماً، لا بل هوية !

في المعاجم الـفـرنـسـيـة الـهـويـة» identité تعني : caractère de deux choses identiques- contre différence – Relation entre deux termes identiques أي شيئين غير مختلفين، متطابقين أو في علاقة تطابق، أو :

,Caractère de ce qui est un unité de ce qui demeure identique à soi -méme أي خاصية الوحدة، التناسق مع الذات، التعرف) وكلها معان نجدها في المعاجم ونجد غيرها مثل التعرف الكلي بالذات، أو الشعور بالذات الحالية في علاقتها بالذات في السابق. وهي تحيل بهذا المعنى إلى الشخصية والتحول.

وفي المعاجم الإنـجـلـيـزية «الـهـويـة» identity تعني: The state or fact of remaining the same; or the condition of being oneself or itself, and not another; ‘or the fact of being the same one as described… etc.

إنها حالة بقاء، وهي هنا توحي بالتحول كمضاد، أو حالة كينونة (لا صيرورة) وإلا صارت إلى هوية أخرى، أو إحالة إلى وصف (مجرد تصور للهوية) قد يكون مملوءاً أو قد يكون فارغاً.

في علم النفس : identity مأخوذة من idem، ومعناها اللغوي : اللامتغير، الشيء نفسه، وتعني : فهم الذات الإنسانية، أو تصور الذات، أو الشعور بأنك شيء ما في حد ذاته دون أي علاقة بالآخر. ولذا تختل الهوية ـ طبقاً لهذا التعريف ـ كعرض من أعراض اختلال الشخصية الذي يظهر في أمراض كالفصام إو إصابات الدماغ . باختصار إنها ثباتية ذاتية إزاء العالم .

أما في علم الاجتماع، فتتحدد الذات عبر بناء الاتساق بين العالم الموضوعي (المجتمع)، والعالم الذاتي للبشر.

ومع ذلك ذلك، علينا أن نتعامل مع موضوع الهوية في عموميته، لكي يكون «المفهوم» فعالاً عندما نتحدث في كليته، وعندما يتماس مع موضوع المقدس، وهو موضوعنا أو شاغلنا الآن .

فبفحص هذه التحديدات، أو بمعنى أصح اللاتحديدات ، نختار بأيها سنبدأ انطلاقنا ، فيغرينا الفهم الدارج للهوية، فأقول بأنني «مصري» أو أنني «عربي» أو أنني «مسلم»، بدون فهم واضح، أو بمجرد حدس بأن ذلك كله صحيح . لكن المشكلة هي أنني لستُ في معرض توصيف ذات بعينها، وإنما بحث عن الذوات الجمعية من خلال ثقافتها وتاريخها، همها وحقيقتها، تحولاتها وانقلابتها، مستقبلها و . . . إلخ.

ومن ثم، علي أن أراجع كل المفاهيم النهائية لتصوراتنا عن أنفسنا بالنسبة لبعضنا بعضاً أو بالنسبة للعالم. هل حقاً هكذا المصري مصري، والعربي عربي، والمسلم مسلم؟ وماذا يعني أن تكون مسلماً مثلا؟

للإجابة على السؤال الأخير تقول المعاجم : إنه يتبع ديناً يؤمن بكذا وكذا. وهذا، في الحقيقة، لا يهمنا كثيراً في الموضوع الذي نتعرض إليه إلا بالدلالة فقط، فالمعاجم المفرداتية كفهرس لغوي يطرح ترتيباً لكلماتنا المصطلح عليها والمنضبطة مسبقاً، أما المعاجم الموضوعية Thesaurus فهي عبارة عن جداول من المحتويات التي تأخذ المفردات ذاتها تقريباً، ولكن مرتبة موضوعياً لا هجائياً. وهذان النوعان من الكتب يكشفان البنية الكامنة للغة ما، ويمكن أيضاً أن يكشفا بطريقة غير مباشرة المحتوى الثقافي للغة كهذه .

وقد أكد لنا هذا التصور لشبكة الكلمات الإلحاح الدائم على مسألة العلاقات في تأطير أي تعريف ما ، أي ما هو إلى الجانب الذي سنتناول منه مسألة الهوية؟ من أي علاقة سنبدأ؟ هل نعود إلى احتمالات كانط حول الامتلاء والفراغ؟ قد نستفيد من هذه الاحتمالات، ولكن كيف؟ إن التحديد يختفي بين العلاقات، مثل اختفاء «المقدس» في عشرات العلاقات . إنه يظهر فقط عندما نريده أن يظهر، ليصبح قوة تسكننا، أو طقساً نمارسه ، أو زمناً نعطيه أهمية خاصة، أو اسماً يتلبسنا . أو . . .

هنا، لا معنى إذن أن نتحدث عن هوية كمجرد «لفظ» يفقد كل حالاته ويتحول إلى مجرد “عقدة” في شبكة لغوية تضيع ولا تكشف شيئاً.

الإسلام وتحولات الذات العربية

نعتقد أن مفهوم «الهوية» مفهوم نموذجي لعمل المنهج «اللانتظامي»، لأنه يدرسها في تأرجحها وانقلاباتها، وربما ثبت عناصرها في لحظة استقرار تاريخية وقاس معامل إعادة إنتاجها، أو معامل تغيرها أيضاً إذا درس حالة محددة في لحظة محددة بعناصر محددة مستقرة استقراراً نسبياً.

وهذا التثبيت المؤقت ضروري جداً، لأن مجموعة الملامح التي تميز شعباً أو طائفة أو قومية تمييزاً عرقياً ولغوياً وثقافياً ضمن بنية مكانية وتاريخية ما، تتنوع تنوعاً كبيراً داخل بنية سياسية وجغرافية قد تسمى «الوطن» . وهذا يجعلنا نتحدث عن هويات في لحظة تاريخية محددة، فما بال الحديث عن هوية ممتدة آلاف السنين.

بمعنى أنه لا يمكننا الحديث عن هوية أو «ذات» فرعونية أو بربرية الآن، بل يمكننا الحديث عن ثقافة تاريخية «فرعونية» أو «بربرية» أدمجت وتم تمثلها في فترات تاريخية لاحقة لها، ومن ثم يمكننا أن نرصد امتدادها في ثقافتنا الحالية بأشكال مختلفة . بالضبط، كما أنه لا يمكننا مضاهاة «الوطنية الهندية أو الفارسية» بالهوية العربية من موضع الوقوع تحت هيمنة الثقافة الإسلامية في زمن تاريخي محدد؛ فهنا نستطيع فقط أن نرصد مجموعة من «الذوات» التاريخية لا مجرد «ذات» عربية إسلامية فقط.

وإذا أخذنا التاريخ كفيصل في أمر تحديد الهوية، علينا أن ننظر إلى تواريخ عدة لا إلى تاريخ واحد. وبالتالي علينا أن نتحدث عن «هويات» لا عن «هوية» واحدة، كما درج معظم الأيديولوجيين على الإطلاقية والتعميم بالنسبة لهذه المسألة .

إقرأ أيضا: رواية الهوية لميلان كونديرا | قراءة نقدية

إن تحديد الهوية من خلال النمط التاريخي بالمعنى الشامل لكلمة تاريخ (بشر هو الذي سيجعلنا نضع وجغرافيا وعلاقات اجتماعية وسياسية وثقافية وتحولات مستمرة) أيدينا على «ثابت» نسبي، أو ما دأب الرياضيون على ترميزه بالرمز K. ذلك الثابت النسبي هو الذي نستطيع به قياس درجات التغير على جميع المستويات .

هذا الثابت النسبي ليس هو بالتنميط من الذي تعمل به «الأيديولوجيا السلفية» بمحاولة تنميط الثقافة، لأنه عمل على الهوية بوضعها في حالة فعل قافز وفي حالة مواجهة، لا في حالة تساؤل؛ فهي تقوم خلال موروث جاهز، فتعمم لغتها وخطابها وتجعل مرجعيته مرجعية أبدية. وهذا التنميط المتمركز على الذات لا يقبل إلا عنصراً من عناصر العملية التاريخية.

ولذا فإن K الناتجة لن تكون هي هي لأنها مشوهة، ولن تكون نسبية طبعاً لأنها لم تضع في حسابها معامل التغير. وسيكون الناتج حالة مواجهة صراعية بين هويات متعددة لا تستطيع أن تقبل بالحد الأدنى لهوية واحدة إلا ـ ربما – بعد صراع طويل قد نفقد فيه الكثير من الضحايا .

ورغم ذلك التحول في شكل ومحتوى الهوية، علينا ألا نفهم أن التحول رهن بمسألة أيديولوجيا سياسية أو برامج ذاتية . فلقد يفهم البعض أن التحولات قد تعطيهم الحق في استبعاد أو تجنب محتوى من محتوياتها، مثل برامج بعض القوميين العرب ذوي الصبغة العلمانية والذين يريدون تحييد البعد الديني بإدخاله في الحاوية الثقافية، أو مثل بعض القوميين الإسلاميين الذين ظهروا الآن وهم يريدون استبعاد الجوانب غير الإسلامية في الثقافة، وإدخال الثقافة نفسها في الدين، كبداية عربية لأمة إسلامية .

فالتحول هنا رهن بعملية تاريخية طويلة، وشروط قد لا تكون مع هؤلاء، ولا مع أولئك، وقد تكون مع أولئك أو مع هؤلاء في ظل شروط أخرى.

ليس مهماً إذن موقفنا الذاتي من مسألة «الهوية»، حتى وإن بدا مهما، لو ترك له المجال للفعل. ونستقطع من مقالة د. حسين شاويش قوله كمستبعد للدين من مسألة السيطرة على الهوية العربية : «.. هذه الدعوة للبعد الثقافي للهوية من شأنها أن تستبعد بعد الدور هام وحاسم بالضبط بسبب حجم تأثيره الثقافي … إن الثقافة تشمل الدين لا الثقافة الهامة والحاسمة، ولكنه ليس معيار الهوية بل هي الثقافة.

وبهذا المعنى، فإن ذلك النسب الدم والبعد الديني/ المذهب. إذ إن الدين يصبح في هذا التصور أحد مصادر العكس. وباستثناء الأديان القبلية (وأبرز مثال عليها حالياً : اليهودية) حيث الدين مفصل على قد القبيلة أو الشعب، فإن الأديان تميل إلى العالمية وإلى تخطي الحدود الثقافية ، ثم فهي لا تعود صالحة لتحديد الهوية».

إن الميل إلى العالمية ليس مبرراً أبدأ لعدم صلاحية الدين للهوية إلا أيديولوجياً . فكل فكرة تميل إلى أن تصبح عالمية بشكل ما، لكنها تدخل محتوى الهوية أو الهويات أثناء التعميم، خاصة وأن النظام السياسي الحالي يعتمد، وفي المدى المنظور، على الدولة «القومية».

فالطرح الديني حول مفهوم العالمية الإسلامية (الأمة)، لا يمكن أن يكون الآن إلا محلياً بحساب تحكم الدولة القطرية، وبحساب أن أكثر من خمسة أسداس البشرية ليسوا مسلمين . وهنا بالضبط تكمن بذرة العنصرية الثقافية (لا العرقية)، عندما تريد أن تجبر العالم في نهاية القرن العشرين على مجانسة ثقافية ذات محتوى إسلامي كلي، خاصة إذا ارتبطتا بمفهوم الجهاد كفريضة.

إن طرح موضوع الهوية شائك، لأن التحولات التي تجري على ما يمكننا تسميته ب«الهوية العربية» هائلة بالقياس إلى كل الزمن «التاريخي» السابق لمثل هذا التخصيص، أي «العروبة». لكننا على كل حال سنرى خصوصية العربي ضمن ثقافة مشتركة أسها الأول اللغة العربية في حدود جغرافية تسود فيها من المحيط إلى الخليج . انبنت هذه الثقافة على جذور عميقة في التاريخ، وقد أخذت تتفاعل شيئاً فشيئاً، وتتلاقح من مركز لآخر حتى استطاعت الدولة العربية الإسلامية أن تقوم بعملية مجانسة للمنطقة ضمن الثقافة الإسلامية واللغة العربية، وتشكل هذه المجانسة قاعدة أي حديث عن مسألة العروبة.

أما تفصيل هذه العملية كإعادة إنتاج لثقافات المنطقة ضمن بنية تاريخية إمبراطورية (أو خراجية)، فيمكن أن يرجع القارىء إليها في كتابي التاريخ والأسطورة(١٢)، لذا لن أعود إلى ذلك الآن.

للهوية دور حافز لعمليات التوحيد، ولا يمكن إهمالها عند طرح أي مشروع قومي أو وطني كعامل إيجابي للمجانسة وللتجاوز. صحيح أن المشاريع القومية الأوروبية قامت على قاعدة الدولة البرجوازية، إلا أنها ارتبطت بالهوية السابقة التي أعدتها الامبراطوريات الأوروبية ضمن تجنيس وتلاقح هويات مختلفة (إثنيات ـ لغات ـ معتقدات . . . إلخ) سواء عبر السيطرة التاريخية أو بالعنف.

عندما يتحدث سمير أمين عن الدولة القومية الأوروبية لم ينس هذا البعد المشروط وهو يقول: «.. لا شك أن البعد اللغوي كسب في الدول القومية الأوروبية الحديثة قوى استثنائية، لدرجة أن اللغة ربما أصبحت العنصر الأساس المحدد لهذا الواقع الاجتماعي الجديد.

قطعاً هناك قاعدة مادية لهذا التبلور، وهي إقامة اقتصاد رأسمالي متمحور على الذات، يتمتع بدرجة من الاستقلال إزاء النظام العالمي، ولكن وجود اللغة الوطنية مثل بدوره بناء فوقياً فعالاً يلعب دوراً أساسياً في إعادة تكوين الاقتصاد الوطني. هذا ولا شك أن اللغة لم تلعب هذا الدور الموحد القوي قبل العصر الحديث . . ففي النظم السابقة على الرأسمالية، نجد لغت محلية ذات استخدام ريفي وإقليمي، وأحياناً مع لغة رسمية هي لغة الدين أو الدولة.

فانتشار التعليم المعاصر، إلى جانب ممارسة الديمقراطية، هو العامل الذي جعل من اللغة الوطنية وسيلة لتحديد القومية نفسها، ووضع حدودها السياسية . وعرف ثقافتها الجماهيرية لدرجة أن البعض ينسبون إلى اللغة قدرة عجيبة على نقل مميزات أخلاقية وطنية” من جيل إلى جيل. . »

إذن يشترط سمير أمين «فعالية اللغة» ببعد تحتي الدولة البرجوازية التي استطاعت – بسبب اتساع الاتصال والتعليم ـ أن تنمي وتمحو في الوقت نفسه، بعملية المجانسة، لهجة على حساب لهجات أخرى، ولغة على حساب لغات أخرى، وأن تعمم وبسرعة هائلة من خلالها الثقافة الجديدة.

الهوية بين الدولة الإمبراطورية والدولة المركزية القديمة

لن نكرر ما قلناه منذ قليل عن دور الهوية كعنصر جامع للقومية، مثلما حدث في الصين التي ارتبطت هويتها التاريخية بثقافة ممتدة الجذور في دولة مركزية عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة انبنت على أركانها القومية الصينية الحديثة . وهي حالة تختلف اختلافاً بيناً عن دور الدولة البرجوازية في إقامة «القوميات» المعاصرة.

فالدول التاريخية القديمة التي انبنت بانسجام وتماسك لفترة زمنية ممتدة حول نهر أو مجموعة من الأنهار، هي الخصوصية التي تجعلنا نهتم بدور «الهوية» Primordial identity في عملية الدمج القومي، رغم أن الفهم السائد لهذه الأخيرة اعتمد على تكون الدولة القومية الأوروبية في العصر الحديث وعلاقتها بالنمط الرأسمالي.

مهما يكن، علينا أن ندرك الفرق بين دولة مركزية إمبراطورية (النمط الخراجي) تضم تنوعاً من الهويات وعديداً من الأقاليم، كالإمبراطورية الرومانية أو الفارسية أو العربية، وبين دولة مركزية قامت ـ رغم العنف ـ داخل حدود تاريخية وفي مدى جغرافي حاكم، وهي إن تمددت عادت مرة أخرى لتتقوقع حول النهر الذي وخدها أو داخل الجبال أو الصحارى التي أحاطت بها، مثل حالة مصر القديمة أو الصين، وبما يرسم خطاً مشتركاً هو ناتج الجدل التاريخي ضمن الحدود الجغرافية أو المدى الحيوي لهذه الدول.

ونعني بالمدى الحيوي : أقصى حدود جغرافية وبشرية تستطيع الدولة أن تعيد فيها إنتاج ذاتها من دون تدخل خارجي فعال . ونعني بإعادة إنتاج الذات : تكرار إنتاج الشروط الخاصة لبنية الدولة السياسية والثقافية والاجتماعية. وهذا «التكرار» هو ما يسم الهوية بسمات مشتركة تجعلنا نقول بأنها هوية مصرية أو صينية أو عربية . . . إلخ، بالطبع في فترة تاريخية غابرة.

فإذا ما ركزنا على الهوية العربية الآن ـ عنصر موضوعنا ـ تُرى هل يمكن أن تتحدث عنها كما نتحدث عن الصين مثلاً في مراحلها التاريخية التي انتهت بيناء دولتها الحديثة؟ لا شك في أن الدولة العربية الإسلامية فعلت فعلها داخل الحدود الجغرافية من المحيط إلى الخليج، فقولبت الثقافة داخل الأقطار التي فتحتها ضمن الثقافة العربية الإسلامية كحاوية أوسع لمجمل الثقافات الفرعية التي انصبت ولهضمت داخل هذه الحاوية ، ومع ذلك لم تتخط اللغة العربية هذه الحدود الجغرافية كلغة حديث وكتابة وثقافة، أو ما نُطلق عليه «التعريب» كأس مهم من أسس تكوين الشخصية داخل هذا المحيط الجغرافي.

لو أردنا أن نقارن بين الصين وبين المنطقة العربية (بعد الإسلام بأربعة قرون، أي بعد اكتمال عملية التعريب و «ثباتية» الهوية العربية نسبياً)، فعلينا أن نتتبع مراحل القولبة عبر التاريخ، وكذلك في العصر الحديث، فنجد أن الصورة مختلفة، حيث احتفظت الصين تاريخياً بوحدة ترابها (عدا استثناءات محدودة) حتى العصر الكولونيالي الذي أقر حدودها الحالية وأكدتها الثورة الصينية بعد انتصار الماوية، رغم انفلات تايوان وهونغ كونغ لظروف التوازن الدولي . بقيت اللغة واحدة والدين واحداً تقريباً طوال هذه الفترة .

فإذا قابلنا الدولة العربية الإسلامية، صانعة الهوية التاريخية للعرب، بالدولة الصينية لوجدنا بعض الاختلافات في العمر التاريخي، وفي «جاهزية» الهوية الصينية لعملية المجانسة أو القولبة ، عكس الدول العربية التي احتاجت جهداً أكبر وزمناً أطول لمثل هذه العملية، حيث استهلك هذه الجهد في دمج وتهديم البني الثقافية السابقة للمراكز الحضارية القديمة في المنطقة وإعادة إنتاجها من جديد بالشكل العربي الإسلامي.

بالإضافة إلى أن الصين بنت دولتها المحلية (تقريباً في عمر الدولة المصرية القديمة) قبل بزوغ الإمبراطوريات الكبرى (الهلينية ، الرومانية، العربية … إلخ) بأكثر من ثلاثة آلاف سنة. هذه نقطة، النقطة الثانية أن الدولة المركزية الصينية اعتمدت أساساً على نهب الداخل، أما الدولة الإمبراطورية فاعتمدت أساساً على نهب الخارج، واعتبر الناهب في الحالة الأخيرة «محتلاً» مما قوى من روح «الوطنية المحلية» التي عطلت عملية المجانسة التاريخية، والتي كانت دائماً عنصر تفتيت بدلاً من أن تكون عنصر تجميع خاصة في مراحل ضعف المراكز الإمبراطورية .

المصادر:

.Le Robert Micro Poche: Dictionnaire de la langue française, Paris, 1994

.Lexi: Nye ord-Vanskelige ord – Fremmed ord, Oslo, Kunnskaps forlaget, 1980

The Random House Dictionary, New York, Ballantine Books, 1978

Store Medisinske Leksikon; Oslo, Kunnskaps forlaget, 1999 .

. Peter L. Berger, The Sacred Canopy, op. cit., p. 15