التعصب الديني - التسامخ الديني

مقدمة

هذا الحوار الذي دار بين كبير فلاسفة فرنسا بول ريكور و كبير اللاهوتيين الأوروبيين هانز كونغ يتخذ أهمية كبرى لعدة أسباب : أولها أن بول ريكور بروتستانتي الاصل وهانز كونغ عالم لاهوت كاثوليكي، أي أنهما ينتميان إلى المذهبين المتعاديين في الغرب على مدار التاريخ، ولطالما سالت بينهما الدماء تماماً كما حصل بين السنة والشيعة عندنا ولا يزال يحصل للأسف حتى الآن. هذا في حين أن هذه المسألة الطائفية أصبحت في ذمة التاريخ بالنسبة للمجتمعات الأوروبية المستنيرة.

ولهذا السبب فإن الحوار بين الرجلين يتم بكل حرية ومن دون أي عقد مذهبية أو محرمات لاهوتية، وثانيها أن بول ريكور على عكس معظم فلاسفة فرنسا الآخرين ليس ملحداً ولا معادياً للدين بشكل مسبق. بل هو مؤمن بروتستانتي، أو قل إنه مؤمن وفيلسوف في ذات الوقت، صحيح انه يلح على التفريق بين صفته كفيلسوف وصفته كمؤمن وأنه لا يتفلسف اطلاقاً انطلاقاً من الايمان الديني ولا يخلط بين الدين والفلسفة ولكنه يظل مع ذلك أحد كبار المهتمين بالبعد الديني للإنسان والوجود.

فالدين بمعناه الميتافيزيقي والروحاني يظل يشغله على عكس الفلاسفة الملحدين من أمثال فوكو مثلاً أو ديلوز أو غيرهما. وثالثاً كما أن بول ريكور يمثل قمة الفلسفة العقلانية والانسانية في هذا العصر فإن هانز كونغ يمثل قمة اللاهوت الديني المتجدد المنفتح على العلم والفلسفة, وبالتالي فالحوار بينهما ينطوي على أهمية كبيرة لعدة أسباب لا لسبب واحد.

وسوف يكون للنقد الراديكالي الذي يوجهه بول ريكور للتعصب الديني وقع أشد لأنه صادر عن فيلسوف مؤمن لا ملحد. فمن الطبيعي ان ينتقد الفيلسوف المادي الملحد الأديان والمتدينين، التعصب والمتعصبين، ولكن ان يصدر هذا النقد العنيف عن مفكر مؤمن يحترم التجربة الدينية أو البعد الروحي للدين فهنا تكمن الاهمية فعلاً لهذا الحوار النادر بین شخصيتين كبيرتين.

أهمية موضوع التعصب الديني و العناوين الرئيسية لهذا الحوار التاريخي

التعصب الديني - التسامخ الديني

الحوار جرى حول مشروع هانز كونغ “مانيفست من اجل بلورة أخلاق كونية للبشرية كلها”، وقد اتخذ العنوان التالي الأديان، العنف، السلام من أجل نزعة أخلاقية كونية، وكنا قد ذكرنا سابقا أن هانر كونغ هو مؤسس معهد الاخلاق الكونية والحوار بين كل الأديان البشرية.

وجرى الحوار على القناة الخامسة للتلفريون الفرنسي ـ الالماني : arte، يقول مقدم الحوار إن كل الأديان الكبرى تدعو إلى المحية والسلام، ولكننا نلاحظ انه في نهايات هذه الالفية الثانية وبدايات الثالثة يقتل الناس ويقتلون بعضهم باسم الله من الشرق الأوسط إلى كشمير ومن إفريقيا إلى البوسنة، ولهذا السبب جمعنا هنا شخصيتين كبيرتين للتحدث عن الموضوع:

الأولى هي هانز كونغ عالم اللاهوت الكاثوليكي السويسري ذو الصيت العالمي ومدير معد البحوث المسكونية في جامعة توبنغين بألمانيا، وهو يرى ان على اليهود والمسيحيين والمسلمين والبوذيين والهندوسيين ان يتحاوروا ويتفاهموا ويتفقوا، ولكن لكي يحصل ذلك ينبغي البحث عن قواعد أخلاقية مشتركة أو قيم موحدة بين الجميع، فهذا شيء أساسي لكي يتحقق السلام على الارض ولكي تبقى البشرية على قيد الحياة.

ولهذا السبب فإن هانز كونغ دعا إلى تشكيل برلمان واحد يجمع بين كل أديان العالم، وقد إجتمع لأول مرة في مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية، وحضره ما لا يقل عن ثمانية آلاف شخصية من مختلف البلدان والقوميات والأديان، من بينهم مسلمون ومسيحيون ويهود. وعن هذا الاجتماع الكبير صدر “مانيفست من أجل أخلاق كونية ، وهو الذي سيتناقش حوله هنا كل من بول ريكور وهائز كونغ.

إقرأ أيضا: المواطنة الرقمية | المفهوم الأهمية الخصائص

في الواقع إن بول ريكور هو احد كبار فلاسفة فرنسا المعدودين. وهو هنا يستجوب هانز كونغ ويعبر له عن بعض تحفظاته على مشروع الأخلاق الكونية. إنه يخشى ان يؤدي هذا المشروع إلى إضعاف القناعات الشخصية الحميمية والخصوصية لكل دين.

فهو يتساءل قائلاً: هل الموضوع هو فعلاً جمع كل الناس حول قناعات أخلاقية مشتركة؟ أم انه بالأحرى دل كل دين على الطريق الذي ينبغي ان يسلكه باتجاه هذه القناعات المشتركة؟ ألا ينبغي علينا أولاً ان نقوم بعمل مسكوني ضخم للمصالحة بين جميع الأديان الكبرى كما صالحنا بين المذاهب المسيحية؟ واذا ما تحقق فسيكون عبارة عن نوع من الضيافة الاستقبالية للقناعات المختلفة. وعندئذ يمكن للجميع ان يعترفوا ليس فقط بجملة القواعد الاخلاقية المشتركة وانما أيضاً بمشروعية الطرق المختلفة المؤدية اليها.

لنترك الكلام إلى بول ريكور وهانز كونغ لكي يبلورا لنا الاشكالية بالعمق اللازم.

الحوار

بول ريكور : إنها لسعادة كبيرة لي وشرف كبير أيضاً، يا عزيزي هانز كونغ، أن تتاح لي الفرصة للتناقش معك عن هذا المشروع الخاص ببلورة أخلاق كونية لجميع البشر.

لكني لا أكتمك أني أشعر بمقاومة داخلية ضد هذا المشروع بالطريقة التي تطرحه فيها. سوف أكون صريحاً معك إلى أقصى الحدود لأنك لا تطلب مجاملتي وانما حقيقتي وصراحتي. سوف أنطلق فوراً من اعتراضي عليه من الملاحظة التالي البادية للعيان بالنسبة للجميع، وهي أن الأديان أشعلت الحروب بين البشر على مدار التاريخ. فكيف يمكن ان نثق بها إذن لقيادة البشر على طريق الخلاص والوفاق والوئام؟ بل ولا تزال الأديان تشعل الحروب حتى الآن، لا يزال الناس يقتلون بعضهم بعضاً باسم الله في أماكن عديدة من العالم.

بل وحتى نحن المسيحيين معنيون بالأمر. فأنت ككاثوليكي وأنا كبروتستانتي نعلم جيداً أننا قتلنا بعضنا البعض باسم الدين في أوروبا سابقاً. بل وحتى الآن لم تنته الحروب المذهبية في بعض مناطق أوروبا كإيرلندا مثلاً. وبالتالي فنحن المسيحيين لسنا بريئين من هذه المصيبة الكبرى، من هذا العنف الأعظم الذي حصل باسم الدين. وبالتالي فتوجد هنا عقبة كبيرة تحول دون اتفاق مختلف الأديان اللهم إلا إذا أرادت مجاملة بعضها بعضاً بشكل سطحي وخادع ومناور.

وعندئذ يتشغل ممثلو الأديان المختلفة بعبارات المجاملة السطحية، ثم يعود كل واحد منهم في النهاية إلى قواعه سالماً، يعود لكي يقول لأتباعه : ديننا هو وحده الصحيح ونحن وحدنا على حق … الخ، وإذن فسؤالي لك هو التالي: هل تعتقد بأننا نستطيع تجاوز هذه العقبة الكأداء ليس فقط من قبل المسيحيين وانما أيضاً من قبل بقية الأديان؟

هانز كونغ : عزيزي يول ريكور. إنها لسعادة كبرى لي أيضاً ان نلتقي هنا في باريس ونتناقش حول هذه القضايا المصيرية. أعتقد شخصياً انه لا يوجد خلاف حقيقي في الرأي بيني وبينك.

التعصب الديني - التسامخ الديني

نحن لا يمكن ان نختلف وبخاصة ان الصعوبات التي تواجهنا ضخمة والعقبات التي تعترض المشروع هائلة، وبالتالي فخلافاتنا إذا ما وجدت تظل ثانوية أمام ضخامة التحديات التي تواجهنا. أنا متفق معك على هذه الملاحظة الكارثية المؤسفة، وهي أن الأديان لا تزال حتى اليوم قادرة على إشعال الحروب أو خلع المشروعية الإلهية عليها بل وحتى التحريض عليها، هذه حقيقة مؤلمة لا يمكن إنكارها. وهذا ما يحصل في إيرلندا الشمالية داخل المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانتيين.

كما يحصل في منطقة الشرق الاوسط وكذلك في يوغسلافيا، ولكن ماذا تريدني أن أفعل؟ هنا يمكننا ان نتخذ أحد موقفين لا ثالث لهما : فإما ان نستسلم للأمر الواقع ونقبل بهذا الوضع ونقول الامور كانت هكذا وستبقى هكذا إلى أبد الآبدين.. ولكن عندئذ لا يمكن أن يحصل سلام حقيقي بين البشر. فقناعتي الشخصية هي أن السلام بين الأديان خطوة لا بد منها من اجل تحقيق السلام بين الأمم؛ واما ان نسعى إلى تغيير الوضع ونوحد الأديان حول مجموعة من القواعد الاخلاقية المشتركة، أو قل حول نواة أخلاقية محددة.

بول ريكور : صحيح. ولكن عندئذ ألا ينبغي أن نعترف بأن هناك ميلاً عميقاً داخل كل دين نحو العنف؟ وبالتالي فالثمن المدفوع للتخلص من ذلك ضخم. بمعنى أنه ينبغي ان نقوم بنقد ذاتي راديكالي لكل دين بما فيها ديننا نحن ومذاهبنا المسيحية نحن. ينبغي أولا ان نعرف لماذا يوجد هذا الميل داخل كل دين إلى العنف. وكيف يمكن بالتالي تطهير الدين من رغبة العنف أو ميله الطبيعي إلى العنف. هذه هي اول وهي مهمة جداً وحاسمة. ينبغي تطهير الدين من داخله إذا جاز التعبير.

هانز كونغ: نعم. . هذا صحيح. هناك ميل داخل كل دين إلى العنف. وغالباً ما ينطبق ذلك على الإسلام. ولكنه ليس الوحيد الذي يميل إلى العنف. فالأديان الأخرى قد تؤدي إلى العنف. نحن مسيحيون ونعرف ماذا يعني ذلك وماذا حصل في التاريخ بين الكاثوليك والبروتستانتيين. ولا يزال حتى الآن هناك مسيحيون كثيرون دوغمائيون ومتعصبون.

لا يزال هناك أصوليون يرغبون في ارسال ” الكفار” إلى الجحيم! عندنا الآن مسيحيون يحلمون بإرسال اللاأدريين والملاحدة الأوروبيين إلى جهنم. ولو أتيحت لهم الفرصة لقتلوهم أو لاستاصلوهم عن بكرة أبيهم. وبالتالي فانا متفق معك : ينبغي أولا ان نقوم بنقد ذاتي داخل كل دين من الأديان أو كل مذهب من المذاهب.

ليبتدئ كل واحد بنقد دينه أو مذهبه. ليبتدئ كل واحد بالتكنيس أمام بيته. أعتقد شخصياً ان كل تراث ديني يحتوي في تاريخه على صفحات بيضاء وصفحات سوداء. ينبغي ان نعترف بأن العنف ليس حكراً على الإسلام. ففي العهد القديم العبراني هناك حروب خيضت باسم الله. وهي حروب عنيفة ووحشية. وحتى في العهد الجديد الانجيلي هناك حكايات تروى بخصوص غير المؤمنين، وهي حكايات سلبية جداً.

بول ريكور : نعم. أعتقد شخصياً ان هذا النقد الذاتي الداخلي ينبغي ان يبتدئ من هنا، أي من مسألة أنه من داخل الاقتناع القوي يخرج خطر العنف

هانز كونغ : أعتقد شخصياً ان هذا الأمر ينطبق بشكل خاص على أديان التوحيد، أي اليهودية والمسيحية والإسلام. فهي الأكثر ميلاً من غيرها إلى العنف. لماذا؟ لأنها إطلاقية تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة المطلقة. من هنا عدوانيتها تجاه الآخرين الذين لا يعتنقونها.

وذلك على عكس الهندوسية مثلاً التي تدمج عناصر عديدة متغايرة وتهضمها داخلها. وبالتالي فهي تسمح بالتعددية على عكس أديان التوحيد. وأعتقد أيضاً ان البوذية أكث تسامحا من الأديان التوحيدية. ولكن يبقى صحيحاً القول بأنه توجد صراعات في كل الأديان توحيدية أو غير توحيدية.

ففي إقليم كشمير هناك صراع بين المسلمين والهندوس. وهناك صراع أيضاً بين السيخ والهندوس في نفس الإقليم. وفي سريلانكا هناك صراع بين البوذيين والتاميل الذين هم هندوس.

وعندما تسأل ممثلي كل هذه الأديان عن هذه الصراعات فانهم يجيبونك فوراً قائلين: ولكن هل تعلمون؟ هذه أشياء لا علاقة لها بالدين ! هناك أسباب أخرى غير الدين تؤدي إلى هذه الصراعات والحروب الأهلية.. ولا احد يشك في دينه! ولكننا نعلم ان هذا كذب على الحقيقة. فالأديان هي المسؤولة عن هذه الصراعات وينبغي ان نعترف بذلك. أليس هذا هو موقفك يا بول ريكور؟ إني أسألك ويهمني جوابك.

التعصب الديني - التسامخ الديني

بول ريكور : بدون أدنى شك. وهذا ما ينبغي ان نقوله بكل صراحة ووضوح لرجال الدين الذين يمثلون كل هذه الأديان. ينبغي ان نصفعهم بالحقيقة الجارحة ويقوة ونقول: إن أديانكم ايها السادة هي المسؤولة عن هذه الحروب والمجازر. ولكن من السهل ان تتهربوا من الموضوع وتراوغوا وتقولوا: آه هذا ليس الدين هو المسؤول عنه، وانما المتطرفون يستخدمون الدين لأغراض سياسية ما أنزل الله بها من سلطان.

هذا كلام معسول وغير مسؤول. هذا تهرب من مواجهة الحقيقة بغية إلقاء المسؤولية على أشياء أخرى غير الدين. إنهم يريدون التهرب من المسؤولية وإعفاء أديانهم من كل مسؤولية عن الإرهاب والمجازر.

هانز كونغ : الآن سوف أشرح لك مشروعي عن المانيفست الخاص بالاخلاق الكونية. هذا المشروع يمكن ان يجتمع عليه أتباع جميع الأديان لأنه يتلخص ببعض المبادئ البسيطة المحددة الواضحة : لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، أحب للآخر ما تحبه لنفسك . . . الخ. هذه المبادئ الأخلاقية الأولية يمكن للمسيحي ان يوافق عليها بسهولة وكذلك اليهودي والبوذي والهندوسي بل وحتى المسلم”. هذه المبادئ موجودة في القرآن أيضاً.

وهناك الكثيرون من المسلمين يرفضون التفجيرات الانتحارية ضد المدنيين الاسرائيليين في شوارع تل ابيب والقدس وغيرهما، بل وحتى اللاأدريين والملاحدة عندنا في الغرب فإنهم يوافقون على هذه النواة الصلبة للمبادئ الاخلاقية.

بالطبع فإنهم لا يبررونها دينياً وانما من خلال العقل البشري فقط، وهذا من حقهم، المسلم يبرر التزامه بها من خلال طاعته للقرآن، والمسيحي من خلال طاعته للإنجيل واليهودي من خلال تطبيقه لوصايا التوراة . . . الخ، هذا لايهم، المهم ان يوافق الجميع على هذه القواعد الاخلاقية المشتركة،

المهم ان نتفق على عدم مشروعية العنف والذبح على الهوية! وإلا فكيف يمكن ان نتعايش في هذا الكون الذي تحول في عصر العولمة إلى قرية صغيرة؟ وهذا ما حققناه في مؤتمر شيكاغو. وبالتالي فليس هدفي التوحيد بين كل الأديان بالقوة أو الجمع بينها بأي ثمن أو خلط الامور يبعضها البعض, هذا مستحيل لأنها تختلف كثيراً في عقائدها وطقوسها وشعائرها، هدفي هو جمعها فقط على نواة صغيرة من المبادئ الأخلاقية أو القواعد السلوكية البسيطة ولكن الفعالة.

لأنها إذا ما اجتمعت عليها يصبح تبرير العدوان والعنف والمجازر والتفجيرات الانتحارية أمراً مستحيلاً. وبما ان هدفي هو تحقيق السلام بين الأمم فإني لم أجد وسيلة أفضل من ذلك للتوصل إلى هذا الهدف الكبير. أريد ان أجبر كل الأديان على التعهد بالالتزام الكامل بهذه القواعد السلوكية لكي نستطيع ان نعيش مع بعضنا البعض بسلام على هذا الكوكب الارضي، بهذا المعنى قلتُ: لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان.

أما فيما يخص الإسلام فيقول بول ريكور هذا الكلام الخطير والعميق : إن كل الأديان قادرة على ان تقوم بهذا المسار النقدي ضد نفسها، أقصد ضد أصوليتها وضد ميلها الطبيعي إلى احتكار الحقيقة المطلقة والعنف. المسيحية الغربية استطاعت ان تقوم بهذا النقد الذاتي الداخلي لأصوليتها ولكن ليس الإسلام. لماذا؟ ربما بسبب المرحلة الاستعمارية التي فرضت عليه ولأنه كان ضحية العنف الخارجي في أحيان كثيرة ثم بسبب موقعه الجغرافي المطموع به.

ينبغي العلم بأن الإسلام كله واقع في منطقة العالم الثالث الذي يعاني من سوء التنمية والفقر ومشاكل اخرى كثيرة، لهذه الاسباب مجتمعة لم يتح للإسلام حتى الآن ان يقوم بهذا المسار النقدي على ذاته وضد ذاته. لم يتح له حتى الآن أن يراجع نفسه وعقيدته. لم يتح له ان يقوم بالانقلاب الفكري المحرر على بذرة العنف الموجودة في أعماق كل اقتناع ديني قوي سواء أكان إسلامياً أم مسيحياً أم يهودياً . . . الخ، ولكني واثق انه سيقوم بذلك عما قريب. هذه هي قناعتي الكبرى.

الإسلام قادر على ان يراجع نفسه وتراثه ويغربل كل ذلك مثلما فعلت المسيحية الأوروبية بدءاً من عصر التنوير وحتى اليوم، إني أعطي الإسلام كل ثقتي لكي يقوم  بهذا العمل النقدي الكبير مستقبلاً ولكي يدين العنف الذي يرتكب باسمه حالياً. والواقع انه ابتدأ يدينه منذ الآن، فهناك شخصيات إسلامية عديدة مستنيرة أصبحت تدين التفجيرات التي يرتكبها الاصوليون باسم الإسلام.

بعد ان أدلى بول ريكور بهذا الكلام طرح عليه هانز كونغ هذا السؤال : ألا تعتقد بان هذه المشكلة ليست مطروحة على المسلمين فقط وإنما على المسيحيين أيضا. وذلك لأنه لا تزال توجد عندنا أقلية مسيحية متزمتة تعيش في عقلية القرون الوسطى تماماً كالمسلمين؟

بول ريكور يجيب بدون شك. كلامك صحيح : تماماً. وانا أشعر الآن بالعار للما يفعله بعضهم باسم المذهب البروتستانتي في إيرلندا الشمالية من ارهاب وتفجيرات و أعمال عنف.

هانز كونغ : أعتقد انه يوجد في جميع الأديان متزمتون ويوجد أيضا اناس منفتحون متسامحون. هناك مثلاً مسلمون يؤمنون بالتنوير مثلي ومثلك يا بول ريكور. وبالتالي فلا ينبغي ان نيأس من الإسلام والعالم الإسلامي. إنه سائر حتماً على درب النور والحقيقة عاجلا أم آجلا.

بول ريكور : أجل، إن مشروعك لا يهم فقط المؤمنين بالأديان الكبرى المختلفة أو المتدينين عموماً وانما هو موجه أيضاً لغير المؤمنين وغير المتدينين. وبالتالي فنحن بحاجة أيضاً إلى كلام التنوير وليس فقط كلام الأديان الكبـرى كـالـيـهـوديـة والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية . . . الخ.

وأكبر حظ للمسيحية هو انها تعرضت منذ البداية وبفضل اليونان وكل ميراثها العقلاني إلى تأثير هذا التنوير الفلسفي. لقد تماحكت معه وتعاركت معه ونتج عن ذلك خير كثير بالنسبة لها، هذا الصراع بين الاعتقاد الديني والنقد الفلسفي مهم جداً ومفيد جداً للأديان. نحن المؤمنين بحاجة إلى الملحد لكي نفهم أنفسنا وأيضاً لكي نفهم المؤمنين الآخرين الذين ينتمون إلى عقائد واديان اخرى. الملحد وجوده ضروري.

هانز كونغ : ينبغي على التنوير أن يفرض نفسه في كل مكان وليس فقط في الغرب أو في أوروبا. التنوير ضمن مقياس انه يمشي في اتجاه تكريس حقوق الإنسان والاعتراف بها واحترامها ينبغي ان يسود في كل مكان.

ثم يضيف هانز كونغ هذه الفكرة الجديدة التالية : ان تجربة الحوار التي خضناها داخل المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانتيين ينبغي ان تخاض على نطاق اوسع بين اليهود والمسيحيين والمسلمين بل ومع أديان أخرى أيضاً. وينبغي ان نعامل الآخرين كما نعامل انفسنا. نحن المسيحيين نقول عادة بأننا دين الحب والسلام، وان الإسلام هو دين العنف والجهاد. ولكن الأمانة تقتضي منا الأعتراف بأن المسيحية شهدت أيضاً قروناً طويلة من العنف وحروب المذاهب الطاحنة.

وأخيراً ينبغي أن يعلم الجميع بأنه ليس للسلام فقط بعد سياسي أو قانوني  تشريعي وإنما له أيضاً بعد أخلاقي وبعد ديني. واذا ما تضافرت كل هذه العوامل وتوافقت فإن السلام يصبح ممكناً. لقد عرفنا مؤخراً حالات متأزمة انحلت بدون عنف أو سفك دماء.

أقول ذلك وأنا أفكر بما حصل في المانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبلدان أوروبا الشرقية عموماً. ولكن ذلك حصل أيضاً في جنوب إفريقيا والفيلبين. في كل هذه البلدان كان هناك أشخاص متدينون يقولون علناً: لا نريد هذا النظام بعد اليوم، نريد ان يسقط. لا نريد الشيوعية بعد اليوم ولا نريد نظام التمييز العنصري والابارتايد ولا نريد نظام ماركوس. ولكننا نريد تغييرها بدون سفك دماء. نريد التوصل إلى ذلك عن طريق اللاعنف. وهكذا أثبتت الأديان انها قادرة على فعل الكثير فقط عن طريق قوتها الذاتية الداخلية.

ثم يختتم بول ريكور الحوار قائلاً هذه الكلمات البسيطة ولكن الشديدة الدلالة : إذا كان لي ان أقول كلام الأمل في نهاية المطاف فانني سأقول ما يلي : ينبغي ان يوجد في كل دين صوت قوي لكي يقول للجميع : لا تقتلوا، لا تكذبوا، قولوا الحقيقة وأحبوها، كونوا عادلين منصفين، حنوا على الضعفاء والمستضعفين.

المصادر:

المقال مقتطف من كتاب: هاشم صالح, الإسلام والإنغلاق اللاهوتي, دار الطليعة للطباعة والنشر, بيروت, 2010

http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/articles_pr/entretien-hans-kung-paul-ricoeur-v2.pdf

https://www.americamagazine.org/faith/2021/04/06/hans-kung-death-obituary-vatican-ii-240394

https://www.americamagazine.org/faith/2021/04/06/hans-kung-death-obituary-vatican-ii-240394